حين يُذكر مضيق هرمز أو البحر الأحمر، ينصرف الذهن مباشرة إلى ناقلات النفط وسفن التجارة وأسعار الطاقة.
لكن هذه القراءة تنتمي إلى عالم الأمس أكثر مما تنتمي إلى عالم اليوم.
فالممرات البحرية لم تعد مجرد قنوات لعبور السلع، بل تحولت إلى مفاتيح للتحكم في التدفقات التي يقوم عليها النظام الدولي كله: تدفقات الطاقة، والتجارة، ورأس المال، وسلاسل الإمداد، وحتى النفوذ السياسي ذاته.
من هنا تبدو الضربات العسكرية المتبادلة في الشرق الأوسط أقل أهمية مما توحي به الشاشات. فالحدث الحقيقي لا يقع فوق سطح البحر، بل في المعركة الصامتة الجارية حول من يملك حق إدارة تلك البحار.
في الظاهر تدور المواجهة حول الأمن والملاحة والردع، أما في العمق، فهي تتعلق بإعادة تعريف الجهة القادرة على ضمان حركة الاقتصاد العالمي أو تعطيلها، إنها معركة على الوظيفة الاستراتيجية أكثر من كونها معركة على الجغرافيا.
ولهذا لا يمكن فهم التوتر في هرمز والبحر الأحمر باعتباره أزمة إقليمية منفصلة. فهذه الممرات تمثل نقطة التقاء ثلاثة تحولات كبرى: انتقال مركز الثقل الاقتصادي شرقًا، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتراجع اليقين الذي حكم النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية لا تصبح الممرات البحرية مجرد مسارات للنقل، بل تتحول إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ العالمي. ومن ينجح في فرض نفسه ضامنًا للأمن البحري يكتسب نفوذًا يتجاوز حدود قدراته العسكرية المباشرة كثيرًا.
لهذا السبب لا يبدو أن الهدف النهائي للأطراف المختلفة هو إغلاق الممرات أو تعطيلها بصورة دائمة؛ لأن تكلفة ذلك على الجميع باهظة. الأكثر أهمية هو استخدام التهديد بالإغلاق أو الحماية كوسيلة لإعادة صياغة موازين القوة وإعادة توزيع الأدوار.
بمعنى آخر: ليست الحرب هي التي تعيد رسم الخريطة، بل الخريطة الجديدة هي التي توظف الحرب لتفرض نفسها.
ومن هنا يمكن قراءة المشهد بطريقة مختلفة: ما يجري بين هرمز والبحر الأحمر ليس صراعًا على أمن الملاحة بقدر ما هو اختبار مبكر لشكل النظام الدولي القادم. فكل سفينة تعبر هذه الممرات تحمل معها سؤالًا أكبر من حمولتها التجارية: من الذي سيدير شرايين الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة؟
لذلك قد يكتشف المراقبون بعد سنوات أن الحدث الأهم لم يكن عدد الصواريخ التي أُطلقت أو السفن التي تعرضت للخطر، بل عملية إعادة هندسة النفوذ التي جرت بهدوء خلف الضجيج العسكري والإعلامي، حيث كانت الممرات البحرية مسرحًا، بينما كان النظام الدولي نفسه هو موضوع الصراع الحقيقي.







