تكشف التحولات المتسارعة في العراق وبلاد الشام عن أن الإقليم يقترب من مرحلة لا تُقاس فيها القوة بالقدرة على التحكم في الممرات البحرية، بل بامتلاك بدائل تقلل من أهميتها الاستراتيجية. فالمعادلة الآخذة في التشكل لا تستهدف استبدال مضيق هرمز بمسار آخر، وإنما إعادة توزيع الجغرافيا الاقتصادية بحيث يصبح تعدد طرق الطاقة والتجارة جزءًا من إعادة صياغة توازنات النفوذ الإقليمي.
وفي هذا الإطار، لا تبدو الضغوط الرامية إلى إعادة تنظيم السلاح في العراق مجرد معالجة لملف أمني داخلي، بل قد تعكس مسارًا أوسع لإعادة بناء احتكار الدولة لأدوات القوة، باعتباره شرطًا مؤسسيًّا لاندماج العراق في مشاريع الربط الإقليمي والممرات الاقتصادية العابرة للحدود. فالدولة التي تُراد لها وظيفة لوجستية وجيوسياسية جديدة تحتاج إلى سلطة مركزية قادرة على إدارة الحدود، وتأمين البنية التحتية، وصياغة قرارها السيادي. ومن زاوية أعمق، فإن خطوط الأنابيب، والممرات البرية، والموانئ المتصلة بالبحر المتوسط لم تعد مشاريع نقل فحسب، بل تحولت إلى أدوات لإعادة إنتاج النفوذ. فكل مسار جديد يخفف الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية يعيد توزيع القيمة الاستراتيجية للجغرافيا، وينقل المنافسة من السيطرة على الممرات إلى تصميم شبكات الحركة ذاتها.
وبذلك قد لا يكون السؤال الحاسم في المرحلة المقبلة: من يسيطر على مضيق هرمز؟ بل: من ينجح في بناء منظومة تجعل هرمز أحد الخيارات، لا الخيار الوحيد؟ فإذا استمر هذا الاتجاه، فإن إعادة رسم المشرق قد تبدأ من خرائط التجارة والطاقة قبل أن تظهر آثارها على خرائط السياسة والأمن، لتصبح الجغرافيا الاقتصادية، أكثر من القوة العسكرية، المحرك الرئيس لموازين النفوذ في المنطقة.







