لماذا قال الله عزوجل فی القرآن الکریم فی سورة آل عمران الآية 96: “إن أول بیت وضع للناس للذی ببکة”؟ مامعنی ببکة؟ ما الفرق بین لفظی مکة وبکة. بارک الله فیکم.
الجواب: اختلف الناس في تأويل هذه الآية على عدة أقوال مذكورة في تفسير الطبري وغيره، والذي أوقع العلماء في الإشكال هو أنه ليس بأول بيت وضع في الأرض، فقد كانت قبله بيوت كثيرة، وكذلك لا يمكن أن يكون هو أول بيت للعبادة، فالأنبياء والرسل قبل إبراهيم عليهم السلام لا بد أن يكون لهم مساجد ومعابد.
قلت: معنى “وضع للناس”: لحج الناس، وبهذا ينحل الإشكال، فهو أول بيت وضع لحج الناس، ويوضح هذا المعنى إذا قرنَّا هذه الآية بالتي بعدها: “إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين” سورة آل عمرا 96-97، فأردفه فرضية الحج على الناس.
ويؤيده قوله تعالى في سورة الحج: “إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد، ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم، وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلىٰ كل ضامر يأتين من كل فج عميق” سورة الحج 25-27.
فقوله في سورة الحج “المسجد الحرام الذي جعلناه للناس” يشبه قوله في سورة آل عمران: “وضع للناس”، ثم قوله في سورة الحج “سواء العاكف فيه والباد” يشير إلى الحج، ويتبين ذلك جليا بما بعده من ذكر تطهير البيت وأذان الناس بالحج.
وبكة هي مكة، والباء والميم متقاربتان، وتبدل إحدهما بالأخرى في أحوال كثيرة، يقول الزمخشري في تفسيره: “مكة وبكة لغتان فيها، نحو قولهم: النبيط والنميط في اسم موضع بالدهناء، ونحوه من الاعتقاب أمر راتب، وراتم، وحمى مغمطة ومغبطة”.
وبكة معناها: المدينة في لغة إبراهيم عليه السلام، ومنها “بعلبك” أي مدينة “بعل”، و”بعل” صنم من أصنامهم، فلما هاجر إبراهيم عليه السلام إلى الوادي غير ذي الزرع وبنى فيه البيت وأسكن حوله ذريته سماه “بكة” أي المدينة، وصارت الباء ميما على مر الأيام، والتصريح ببكة في سورة آل عمران دون مكة تذكير بمبدأ هذه المدينة واتصالها بإبراهيم عليه السلام والبيت الذي بناه.


