ما برح الإنسان، منذ أقدم العصور، يتساءل عن الشر، عن الألم، عن المعاناة التي تحيط بالحياة الإنسانية من كل جانب، ولم يهدأ له بال حتى يجد تفسيرًا يُرضي عقله ووجدان قلبه. هذه التساؤلات لم تكن أبدًا مجرد سؤال نظري، بل كانت تجربة حية، ملموسة، يشعر بها الإنسان في أعماق روحه حين يشهد الظلم، أو يسمع بكاء الأطفال، أو يرى دماء الأبرياء تسيل بلا رحمة. وما يزيد حدة هذه المشكلة في عصرنا الحالي هو تراكم الفواجع الإنسانية، وما تتيحه وسائل الإعلام الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي من نقل هذه المعاناة إلى عيون ومشاعر الملايين في الوقت نفسه، لتصبح مسألة الشر ظاهرة ملموسة، لا مجرد نظرية فلسفية.
فالمأساة الإنسانية في الأراضي مثل غزة، حيث يُقتل الأطفال ويُغتصب النساء وتُسلب حقوق الناس في وضح النهار، تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا: إن كان الله موجودًا، وهو قادر على كل شيء، وعادل رحيم، فلماذا لا يمنع كل هذه الفواجع؟ ولماذا تستمر معاناة الأبرياء رغم قدرته المطلقة؟ وهل عدم التدخل دليل على عدم وجود عدله؟ هذه الأسئلة، على شدتها، تحمل في طياتها جانبًا إيجابيًا: فهي تكشف عن وجدان حي وضمير أخلاقي فطري، وتدفع الإنسان إلى البحث عن إجابات عقلانية، متزنة، تتجاوز مجرد الانفعال أو الطاعة العمياء.
إن الخطأ الفلسفي الجوهري في هذه التساؤلات يكمن في افتراض أن الحدس الأخلاقي البشري هو المعيار النهائي لعدالة الله. فكل ما يبدو للبشر ظلمًا في اللحظة الراهنة يُفترض أنه كذلك في نظر الله. وهنا يكمن الإشكال: الإنسان محدود، مقيد بالزمان والمكان، متأثر بعواطفه، وثقافته، وتجربته، بينما المعرفة الإلهية مطلقة، شاملة، غير محدودة بزمن أو مكان، ترى الماضي والحاضر والمستقبل كحقيقة واحدة متكاملة. ومن ثم فإن تنزيل المعايير البشرية على الفعل الإلهي، هو خطأ فلسفي كبير يُعرف بـ “الخطأ التصنيفي” (Category Mistake)
والتصور المعاصر في بعض المجتمعات الثقافية، حيث تختلط مفاهيم الإنسانية بالألوهية، يصور الله كفاعل أخلاقي يشبه الإنسان في تفكيره وشعوره، يختلف عنه فقط في القوة. وهذا تصور مغلوط، فالله ليس نسخة أكبر أو أقوى من الإنسان، بل هو كيان متعالٍ يختلف نوعيًا ووجوديًا عن البشر. ومن هنا تنشأ المغالطة التي تجعل البشر يطالبون الله بالتدخل وفق معاييرهم، فيختزلون اللا محدود في حدود محدود.
ومع ذلك، فإن الغضب أمام الظلم والحزن على المظلومين والانزعاج من القسوة الإنسانية ليس سلبيًا، بل هو علامة على حيوية الضمير الأخلاقي، واستمرار الشعور الإنساني بالألم تجاه معاناة الآخرين. فلو فقد الإنسان هذا الشعور، لكان قد فقد جزءًا أساسيًا من إنسانيته. وما يحدث في غزة خير مثال حي: الألم والانفعال اللذان يشعر بهما المتابع أو المشاهد يعكسان ضميرًا حيًا، واستعدادًا أخلاقيًا للوقوف مع المظلومين، للدفاع عن حقوقهم والمساعدة في تخفيف معاناتهم. لكن الخطأ يكمن في الاستنتاج الفلسفي الذي يسحب هذا الشعور ليقول إن الله يجب أن يتدخل على الفور وفق معايير البشر.
العقل البشري، مهما بلغ من نضج، يظل محدودًا؛ فهو يحكم على الأحداث اعتمادًا على المعلومات الجزئية، والنتائج الفورية، والقرب العاطفي، بينما المعرفة الإلهية شاملة، وما يبدو للإنسان ألمًا ومعاناة قد يكون جزءًا من نظام حكيم لا يحيط به الإدراك البشري.
وقد رسمت النصوص الدينية صورة واضحة لهذه الحدود البشرية. خذ على سبيل المثال قصة أم مريم (عليها السلام)، التي نذرت طفلها للعبادة، واعتقدت ضمن نطاق فهمها العملي والاجتماعي أن المهمة لا يمكن أن يقوم بها إلا الذكر. وعندما وُلدت البنت شعرت بالخيبة، وهو شعور طبيعي، لكن القضاء الإلهي أوضح أن الاختيار الإلهي كان أعلم، وأن هذه الفتاة كانت لها الدور الحاسم في خطة الله. ومثلها قصة زكريا (عليه السلام)، التي تُبرز الفرق بين الفكر البشري المقيد بالأسباب الطبيعية، والقدرة الإلهية المطلقة التي تتجاوز القيود البشرية. هذه الأمثلة لا تلغي العقل البشري، لكنها تحدد نطاقاته، وتضع أمامه حدود المعرفة والقدرة.
وثمة جانب آخر غالبًا ما يُغفل في الحديث عن الشر، وهو حرية الإنسان ومسؤوليته الأخلاقية. المطالبة بأن يمنع الله كل شر مباشرةً تعفي الإنسان من مسؤوليته. فالحرية الإنسانية هي الركيزة الأساسية للنظام الأخلاقي، ومع الحرية تأتي المحاسبة. إن استمرار الشر إذن لا يدل على غياب العدالة الإلهية، بل على تقصير الإنسان في استخدام الحرية التي منحها الله له. فالشر ليس خللاً في النظام الإلهي، بل نتيجة لسوء استعمال الإنسان لحريته، وهو امتحان للظالم والمظلوم والمراقب والصامت، وللمؤسسات والمجتمعات كلها. والسؤال الأعمق ليس لماذا يتسامح الله مع الشر، بل لماذا يتسامح البشر معه، ولماذا يبررونه أحيانًا. وفي هذا المعنى، تكشف مأساة غزة عن الوجه الحقيقي للإنسانية: تناقضاتها الأخلاقية، حساسيتها الانتقائية، وضعف مؤسساتها.
إضافة إلى ذلك، فإن طلب العدالة الإلهية الفورية يغفل حقيقة أساسية: هذا العالم ليس ميدان الحساب النهائي، إن العدالة المطلقة وفق النصوص الإسلامية وسائر التقاليد الدينية الأخرى، ستتحقق في الآخرة، ولا يعني تأخير العدالة إنكارها. وعند اعتبار العالم دار اختبار، يصبح استمرار الشر جزءًا من تجربة الإنسان، وليس دليلاً على غياب عدل الله.
ليس الإيمان بالغيب جهلًا أعمى، بل هو اعتراف واعٍ بحدود المعرفة البشرية. والثقة بعدل الله ورحمته لا تقلل من المسؤولية الأخلاقية للإنسان، بل تعمقها وتزيدها. فالإنسان مسؤول عن أفعاله، بينما العدالة الإلهية الكاملة تظهر وفق حكمة الله المطلقة، التي تتجاوز إدراك الإنسان المحدود.
فوجود الشر لا يشكل حجة ضد وجود الله، بل يكشف عن خطأ مفاهيمي جوهري، يتمثل في محاولة احتواء الواقع الإلهي ضمن حدود الحدس الأخلاقي البشري. الشر موجود، لا لأن الله تنقصه العدالة، بل لأن الإنسان يسيء استخدام حريته، ويفهم الحكم الإلهي جزئيًا، ويطالب بإجابات تفوق قدراته الإدراكية. وإذا فُهمت الأمور بالشكل الصحيح، فإن الشر يعكس مسؤولية الإنسان الأخلاقية، وتواضعه الفكري، وامتحانه الوجودي، ولا ينفي وجود الله. فالعدالة الكاملة قائمة، لكنها وفق مقاييس الله وحكمته، لا وفق مقاييس البشر وزمنهم.







