4- الهبوطُ ليس نزولًا:
يقول الله تعالى:
(قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو) {طه: 123}، والهبوط هنا بمعنى: (الانتقال من أرضٍ مرتفعة، أو من تلالٍ وهضابٍ وروابٍ إلى أرضٍ منخفضة)، ولا يعني مطلقًا معنى النزول من السماء، فالنزول من السماء فيه معنى القدوم من عُلُوّ إلى الأسفل، كما في حال المَطَر الذي ينزل من السماء إلى الأرض، وكما الوَحي يُنزِّله الله تعالى من السماء على الأنبياء، وكذلك الحديد الذي أنزله الله تعالى من السماء إلى الأرض، وكذلك المائدة، والأنعام، واللباس، والمَنّ، والسّلوى، والسكينة، والملائكة..، وآدم عليه السلام لم ينزِل، ولم يتم إنزالَه من الجنة إلى الأرض، بل هبط هبوطًا من منطقةٍ مرتفعةٍ في الأرض، إلى منطقةٍ منخفضةٍ في الأرض، أو انحدَر من ربوةٍ عاليةٍ إلى وادٍ منخفض.
إنّ آدم عليه السلام عندما هبط من الجنة إلى الأرض فإنه هبط من غير مساعدة، لأنه كان قادرًا على الهبوط بنفسه، فهو بهبوطه من الجنة ينتقل من مكان مرتفع إلى مكانٍ منخفضٍ قريبٍ على الأرض نفسها، ولو كان هبوطُه من الجنة نزولًا من السماء، أو من كوكب آخر من خارج الأرض، لَمَا قال الله تعالى له: (اهبطا) فيكون هو الفاعل في الهبوط، ولربما سيكون التعبير بصيغة يكون فيها آدم عليه السلام مفعولًا به يقع عليه فعل الإنزال وليس الإهباط، كما هي الحال في الحديد، والأنعام، واللباس، والمائدة، والمطر، والكتب السماوية، والمنّ والسلوى، فكلّها تم إنزالها من السماء إنزالًا، ولم تنزل من السماء من تلقاء نفسها.
ولقد استعمل القرآن الكريم لفظة: (اهبطوا) بمعنى الانحدار والانتقال من مكانٍ مرتفع إلى مكانٍ منخفض كما في قوله تعالى: (اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم) {البقرة: 61}، أي انحدروا واذهبوا إلى مكان منخفض محدّد من الأرض، وستجدون ما سألتم من البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل.
فبنو إسرائيل هنا لم ينزلوا من السماء، بل انتقلوا وهبطوا بأنفسهم من مكان إلى مكان على نفس الأرض التي يعيشون فيها، وهذا نفسه ما حدث مع آدم عليه السلام عندما هبط من الجنة، فقد هبط منها إلى مكانٍ آخر أقل منزلةً ورتبةً وارتفاعًا في هذه الأرض.
ونجد هذا أيضًا في القرآن الكريم في سياق الكلام عن الحجارة كما في قول الله تعالى: (وإن منها لما يَشقَّق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله) {البقرة: 74}، فالحجارة هنا لا تنزل من السماء، بل هي من حجارة الجبال وصخورها، وهي عندما تهبط من خشية الله تعالى فإنما يكون هبوطها في انحدار وتَدَحرُج من أطراف الجبال وأعاليها إلى السفوح والأودية والمنخفضات.
وهو نفسه ما نجده في قول الله تعالى لنوح عليه السلام: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) {هود: 48}، فهبوط نوح عليه السلام لم يكن نزولًا من السماء، وهو عليه السلام لم يكن في السماء أصلًا، وإنما كان في السفينة التي صنعها، فالهبوط هنا يعني استقرار نوح وسفينته على الأرض بعد أنْ بلعت الأرض ماءها، وبعد أنْ أقلعت السماء، وهو انحدارٌ وإرساءٌ للسفينة التي كانت تعلو على الماء، فالهبوط كان انتقالًا من مكانٍ مرتفع في الأرض وهو الماء، إلى أرضٍ أدنى وهي الجُوديّ، يقول الله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي) {هود: 44}.
والله سبحانه وتعالى عندما قال لآدم وزوجه: (اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو) {طه: 123}، فإنما يقول لهم: اخرجوا من هذه الحديقة ذات المكانة العالية، والرتبة الرفيعة، وانتقلوا إلى خارجها في هذه الأرض التي يلزم للعيش فيها المزيد من الكدِّ والكدح والسعي، فتصنعون فيها ملابسكم بأنفسكم، وتزرعون فيها لتأكلوا، وتحفرون الآبار لتشربوا، وتَكِدُّون، وتكدحون، وتصنعون، وتبنون البيوت..، وفوق كل هذا فإنَ طاعتكم للشيطان ومعصيتكم لله تعالى ستكون سببًا في شقائكم وضنك معيشتكم، وستجلب عليكم المعصيةُ غضبَ ربكم، يقول الله تعالى: (فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) {طه: 117}.
ونستطيع أنْ نستدل من قول الله تعالى: (اهبطوا) في الآية: (قلنا اهبطوا منها جميعًا) {طه: 111}، على أنّ جنة آدم عليه السلام كانت برَبوةِ أو بمنطقة مرتفعة عالية، وأنّ هبوطه عليه السلام منها كان إلى منطقةٍ أدنى، أو إلى وادٍ منخفض.
وهذا يُقوي الفرضية التي نفترضها وهي أنْ تكون جنة آدم عليه السلام هي جبل عرفات، وهو منطقة مرتفعة عن الأراضي المجاورة له، حيث الأودية المنخفضة في مكة ومِنى.
5- لا خروج من جنة الخُلد التي في السماء:
إنّ الجنة العالية التي أعدّها الله تعالى لعباده المتقين هي دار الخلود والبقاء، فلا موتَ فيها، ولا فناء، ولا زوال، ولا خروج، ولا إخراج، يقول الله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلًا ظليلًا) {النساء: 57}، فهم خالدون فيها أبدًا، لا يَخرُجون ولا يُخرَجون، ويقول الله تعالى أيضًا: (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرًا) {الفرقان: 15}، فهي جنة الخلد الموعودة، وهي الجزاء والمصير.
فمَن أكرمه الله تعالى بالسُّكنى في هذه الجنة السماوية فلا يَخرج منها أبدًا، ولو كان آدم وزوجه عليهما السلام قد أُسكِنا هذه الجنة فعلًا لظلَّا فيها من الخالدين، ولَمَا هبطا منها إلى مكان أقلّ رتبةً منها، بل سيَبقَون فيها، وستظلُّ هي حياتَهم السرمدية الدائمة كما في قوله تعالى: (لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين) {الحجر: 48}.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم عن خلود أهل الجنة في جنتهم فيما يرويه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (إذا صار أهلُ الجنة إلى الجنة، وأهلُ النار إلى النار، جيء بالموت حتى يُذبَح، ثم يُنادي منادٍ يا أهلَ الجنة، خلودٌ بلا موت، ويا أهلَ النار خلودٌ بلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حَزَنًا إلى حَزَنهم)، رواه البخاري ومسلم.
وهو ما يُقوِّي الفرضية التي نفترضها بأنّ جنة آدم عليه السلام كانت على الأرض في المكان المعروف بجبل عرفات.
6- الفاكهة في جنة الخُلد لا مقطوعةٌ ولا ممنوعةٌ:
جاء في وصف فاكهة جنة الخُلد قولُ الله تعالى: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) {الواقعة: 32-33}، فهي جنةٌ فيها كلّ ما تشتهي الأنفس بلا مَنع، أو قَطع، أو تحريم.
وكلّ ما في جنة الخُلد حلالٌ طيّبٌ جميل، يقول الله تعالى: (يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون) {الزخرف: 71}.
إنّ كلّ ما تطلبه النفس في جنة الخُلد مُتاحٌ ومُباح وقريب، فمَنْ يُسكِنُه الله تعالى جنةَ الخُلد فهو مُكرّم مُنعّم، لا يمنَعُه الله تعالى شيئًا منها، إذْ ليس في جنة الخُلد مُحرّمات في طعام أو شراب، يقول الله تعالى: (لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون) {يس: 57}، ويقول سبحانه: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم ما تدعون) {فصلت: 30}.
وهذا ما لم يكن في جنة الأرض التي أَسكنها الله تعالى آدمَ وزوجَه عليهما السلام، ونهاهما فيها عن الاقتراب من شجرة محددة، لكنهما لبَشَرِيّتهما ضَعُفا أمام وساوس الشيطان، وانخدَعا بوعوده وتزيينه وأيمانه الكاذبة، فأكلا من الشجرة، ووقعت منهما المعصية والمخالفة، فاستحقّا الهبوطَ من الجنة التي هيّأها الله تعالى لهما، وضَمِن لهما فيها السُّكنى الهانئة، والحياة الرغيدة، فلا يجوعون، ولا يَظمئون، فطعامهم مكفول، وشرابهم مضمون، ويلبسون فيها ما أنزل الله عليهما من اللباس الذي يستُر سَوءاتِهما.
وقد كان هبوطهما من الجنة إلى مكانٍ أدنى، وأرضٍ يكدحون فيها من أجل الحصول على الطعام والشراب والملبس والمسكن، يقول الله تعالى: (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) {طه: 117}.
ولو كانت الجنة التي أُسكِن فيها آدمُ وزوجُه عليهما السلام هي جنةَ الخُلد التي في السماء، لما منعهما الله تعالى عن شيء من شجرها، أو عن أي شيءٍ فيها، ولكنها جنةٌ أو بستان أو حديقة في الأرض أسكنهما الله تعالى فيها في بداية الاستخلاف.
7- لا سَوْءات في جنّة الخُلد:
ليس في جنة الخُلد سَوءاتٌ تَسُوءُ أهلَها المؤمنين، فهي جنة النعيم المقيم، والسعادة الأبدية، فيها تلَذُّ الأعين، وتستريح الأنفس، فلا سوءات، ولا حَزَن، ولا نصب، ولا لغوب.
يقول الله تعالى عن أهل جنة الخُلد: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلَّنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) فاطر 34-35.
والسَّوأَة في اللغة: (الخُلَّة القبيحة، والفاحشة، وكلّ عملٍ وأمرٍ شائن، والعورة) “المعجم الوسيط”، وهي ما تسوءُ صاحبَها وتسبب له الحَرَج، فيلجأ للاستتار بكل طريقة.
وهذا ما حدث مع آدم وزوجه عليهما السلام، فقد بَدَت لهما سوءاتهما وهما في الجنة التي كانا فيها، يقول الله تعالى: (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) {الأعراف: 22}، فهل يُتَصَوّر هذا في جنة الخُلد التي في السماء؟ وهل سيصنع المؤمنون في جنة الخُلد ملابسهم بأنفسهم فيخصِفون على أنفسهم من ورق الجنة كما فعل آدم وزوجه عليهما السلام ليَستُرا ويُواريا سوءاتِهما؟
إنّ الحالة التي أصابت آدمَ وزوجَه عليهما السلام وهما يخصِفان عليهما من ورق الجنة ليَستُرا ما بَدَا لهما من سَوءاتهما حالةٌ فيها حَرَج وحَزَن ونَصَب وإحساس بالندم، وهو ما لا يُتَصَوّر أنْ يكون في جنة الخُلد التي في السماء.
ويبدو لنا من سياق الآيات أنّ الله تعالى قد نزَع عن آدم وزوجه عليهما السلام لباسَهما عندما انخدَعَا بوساوس الشيطان فعَصَيَا ربَّهما وذاقَا الشجرة، يقول الله تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما) الأعراف: 27}.
لقد تم نزع اللباس عن آدم وزوجه عليهما السلام في جنة الأرض بفعل وساوس الشيطان بمجرد ذوقهما للشجرة، ما جعلهما يُسرعان إلى تغطية سوءاتهما وسَترها.
إنّ نزع اللباس عن آدم وزوجه عليهما السلام في هذه الجنة يؤكد أنها جنةٌ في الأرض، وليست جنة الخُلد التي في السماء، فجنة السماء كما هو معلوم جنةٌ للنعيم والراحة والمكافآت من الله تعالى، وليس فيها شيطانٌ ينزع عن أهلها لباسَهم بالوساوس والإغواء.
وإنّ عملية خصف آدم وزوجه عليهما السلام من وَرَق الجنة على السَّوءات المكشوفة منهما، لَيؤكِّد أنّ الجنة التي أسكنهما الله تعالى فيها هي جنةٌ في الأرض، وليست جنةَ الخُلد التي وُعد المتقون حيثُ السعادةُ الأبدية، فلا تعب ولا نصب، ولا خصْف لورق الجنة لِسَتر السَّوءات.
8- ليس في جنة السماء معصيةٌ أو توبة:
إنّ الأرض دارُ عملٍ وابتلاء، وجنة الخلد التي في السماء دارُ جزاءٍ وعطاء، والله سبحانه عندما ابتلى آدم عليه السلام بعدم الاقتراب من الشجرة فإنما ابتلاه في جنة الأرض، وليس في جنة السماء، لكنه عليه السلام نسِيَ وعَصَى ربَّه وأكل من الشجرة، يقول الله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا) {طه: 115}، ويقول سبحانه: (وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) {طه: 121-122}.
ولو كان آدمُ وزوجُه عليهما السلام قد أسكنهما الله تعالى جنةَ الخُلد التي في السماء، لما كان له أنْ يقترف فيها معصية، أو أنْ يُحدِث فيها توبة، ولم يكن ليتعرضَ للابتلاء والاختبار لو أسكنه الله في جنة الخلد التي في السماء، لأن جنة الخُلد دار جزاء، وليست دار عمل.
إنّ الأعمال البشرية بما فيها من طاعات أو معاصٍ لا تحدُث إلا في هذه الحياة الدنيا القصيرة، وعلى هذه الأرض، أما جنة الخلد فليس فيها إلا المكافآت، والجزاء الحَسَن من الله تعالى، وهو ما يؤكد أنّ آدم وزوجه عليهما السلام ما عصَيَا ربهما إلا في جنةٍ على الأرض، وهي التي هبطا منها إلى أرضٍ أدنى، ومكانٍ أخفض، بعد هذه المعصية.
👇👇👇
يُتبع إن شاء الله..


