التماثُل الرابع: ألفاظ واحدة:
في القرآن الكريم لم يستعمل أحدٌ من الأنبياء كلمة: (أُعذِّب) و(نُعذِّب) و(عذابًا) غير نبي الله سليمان عليه السلام، فقد قال في سياق التلويح بمعاقبة الهدهد: (لأعذبنه عذابا شديدًا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) {النمل: 21}.
ونجد ذا القرنين يستعمل نفس الكلمة في سياق معاقبة الظالمين فيقول: (قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابًا نكرًا) {الكهف: 87}، ولا شك أنّ هذه قرينة يمكن الاستناد إليها في التدليل على أنّ سليمان عليه السلام وذا القرنين هما شخصية واحدة.
التماثُل الخامس: عدم قبول الرّشاوى والعطايا:
لقد وهب الله تعالى نبيَّه سليمان عليه السلام مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وفوَّضه فيما أعطاه فقال: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) {ص: 39}، وعندما أرسلت إليه ملكة سبإ رشوة في شكل هدية ردَّها عليها ولم يقبلها، وفي هذا يقول الله تعالى: (فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتيني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون) {النمل: 36}، فهو يستغني بالله تعالى، ولا ينظر إلى ما في أيدي الناس، فما آتاه الله خيرٌ ممّا في أيديهم.
وذو القرنين أيضًا يستغني بالله تعالى، ويمتنع عن أخذ الخَرْج وهو الأجر والعطيّة مقابل بناء السدّ، ويُحدِّث بنعمة ربه عليه، وأنّ ما أعطاه الله تعالى خيرٌ مما عندهم من مال، يقول الله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدًا (94) قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا) {الكهف: 94-95}، والمُلاحَظ في الآيات أنّ قولَ ذي القرنين: (ما مكني فيه ربي خير) يُشبه قول سليمان عليه السلام: (فما آتني الله خير مما آتاكم)، وهو يُشير إلى أنّ صاحب الكلام هو نفسُه في الآيتين، وهو سليمان عليه السلام.
التماثُل السادس: استعمال الحديد والقِطْر (النحاس):
جاء في سورة النمل: (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين) {النمل: 16}.
فماذا ورث سليمان عن أبيه داود عليهما السلام؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (… وإنّ الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دينارًا، ولا درهمًا، إنما وَرَّثُوا العِلم، فمَن أخَذَه أَخَذَ بحظٍ وافر)، وقد ورث سليمان عليه السلام عن أبيه النبوَّة والمُلك، وورث عنه العِلم، ومنه عِلم إِلَانَةِ الحديد وصَهره وتشكيله، ما مكَّنه من صناعة السلاح، يقول الله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) {الأنبياء: 8.}، وقد جاء في سورة سبإ: (ولقد آتينا داود منا فضلًا يا جبال أوبي معه والطير وألنَّا له الحديد) {سبأ: 1.}.
ثم خَصَّ الله تعالى سليمان عليه السلام بإسالة “القطر” وهو النحاس فقال: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر) {سبأ: 12}، فصار عليه السلام مخصوصًا بعِلم إِلَانَة الحديد، وعِلم إِسَالَة القِطر معًا.
والآية لم تُشِر إلى كيفية إسالة القِطر، ولا إلى وظيفته، ولا إلى كيف استفاد سليمان عليه السلام من القِطر، ولكنها تشير إلى أنّ إسالةَ القطر كانت تسخيرًا من الله تعالى لسليمان عليه السلام، إلى جانب ما سُخِّر له عليه السلام من الرّيح والجنّ، وكل هذا لم يكن لغيره، بل كان جزءًا مما وهب له الله تعالى من المُلك الذي لا ينبغي لأحد من بعده.
لكننا نتفاجأ في سورة الكهف بأنّ ذا القرنين هو الذي يستخدم “القِطر” في بنائه لرَدم يأجوج ومأجوج، ويستخدم الحديد أيضًا، وهما المـعدنان اللـذان خَـصّ الله بهما سليمان عليه السـلام، يقول الله تعـالى: (آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارًا قال آتوني أفرغ عليه قطرًا) {الكهف: 96}.
وهو ما يُثير في النفس مجموعةً من الأسئلة:
كيف جاء ذو القرنين بكل هذه الكميات الكبيرة من الحديد والنحاس لبناء الرَّدم؟
وهل كان استخراج الحديد والنحاس وجمعُه من الأرض أمرًا هيّنًا سهلًا في ذلك الزمن؟ خاصّة أنّ الرَّدم الذي تتحدث عنه سورة الكهف يحتاج إلى كميات هائلة وضخمة من الحديد والنحاس “القِطر”، فهو رَدمٌ يَصِل بين جبلين، ولم تستطع يأجوجُ ومأجوجُ تَسلُّقَه، فضلاً عن عجزهما عن نَقْبِه واختراقِه، يقول الله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا) {الكهف: 97}.
وهل عملية النفح لصهر الحديد والقطر (النحاس) كانت سهلة؟ أم أنها كانت تحتاج إلى أفران خاصة؟ ودرجات حرارة عالية جدًا تتراوح بين 3… و5… درجة مئوية؟
– وكيف سيكون النفخ؟
– هل سينفخون بأفواههم؟ أم بالكِير؟ أم بآلات لا نعرفها؟
أم أنّ ذا القرنين استخدم الرّيح (حركة الهواء) المُسخَّرة له بالسرعة التي يحتاجها لنفخ ودفع الغازات، ورفع درجات الحرارة التي ينصهر عندها الحديد أو النحاس؟
لقد ساوى ذو القرنين بين الصدفين، وجعل من مكان الرّدم مكانًا لصهر زُبَر الحديد، ولما صار الحديد نارًا أيْ (منصهرًا)، قام بإفراغ ” القِطر” المُسال عليه، وهذا يعني أنه قام بخلط “القِطر” المُسال، بالحديد المنصهر بين الصدفين.
إنّ هذا الأمر لا يتم بسهولة حتى في عصرنا الحاضر، وتحتاج أيّ دولة لإقامة مثل هذا الرَّدم إلى إمكانات صناعية عالية المستوى، تستطيع من خلالها أنْ تكشف عن أطنان الحديد والنحاس في نواحي الأرض، وتنقله من أماكن وجوده ومناجمه، إلى أماكن صهره في الأفران الخاصة، وإفراغه في الرَّدم بطرق خاصة أيضًا.
فهل كان ذو القرنين يفعل كل هذا بقدراته البشرية لوحده؟
لقد وردت كلمة (قِطر) في القرآن الكريم مرّتين:
1- المرة الأولى في سورة الكهف مع ذي القرنين، في قوله تعالى: (آتوني أفرغ عليه قطرًا).
2- المرة الثانية في سورة سبأ مع سليمان عليه السلام، في قوله تعالى: (وأسلنا له عين القطر).
وعين القطر ممّا خَصَّ الله تعالى به سليمان عليه السلام عندما قال: (وأسلنا له عين القطر) وهو نفسه ما جاء على لسان ذي القرنين: (آتوني أفرغ عليه قطرًا) {الكهف: 96}، والملاحظ أنّ إسالة القِطر وإفراغه شيء واحد، وهو ما يؤكّد أنّ الشخصية واحدة في الآيتين، وهي شخصية سليمان عليه السلام.
إنّ ما قام به ذو القرنين هو ما سخّره الله تعالى لسليمان عليه السلام من إسالة القِطر، ومِن قَبله ما ورِثَه عن أبيه داود عليه السلام من إلَانَة الحديد وتصنيعه.
وإنّ ذا القرنين استخدم الجنّ المُسخَّرين له في بناء رَدم يأجوج ومأجوج، حيث قاموا باستخراج الحديد والقِطر، وجمعهما، ونقلهما إلى مكان الرّدم، لصهرهما وخلطهما، وأتوقع أنْ يكون قد تمّ استخدام الجفان الكبيرة والقدور الراسيات في عمليات الصَّهر والإفراغ، وهو ما سنتحدث عنه في الصفحات القادمة إن شاء الله.
وبعد هذه الشواهد والقرائن الظاهرة، فإنه يمكنني القول:
إنّ أغلب الظنّ عندي أنْ يكون “ذو القرنين” الذي تحدثت عنه سورة الكهف هو سليمان عليه السلام، فما كان ليُذكَر في سورة الكهف باللقب (ذي القرنين) دون الاسم إلا لأننا يمكننا بالتدبّر والتفكر معرفته والاستدلال عليه، وذلك من خلال البحث في السياقات القرآنية المختلفة عن العلاقة بين الآيات والسُّوَر، والربط بينها بما يكشف معانيها والمُراد منها، فالله تعالى لم يُنَزل القرآن للناس ليستعصيَ عليهم تدبُّره، بل أنزله ليتدبروه، ويقفوا على مُراد الله تعالى من آياته وأحكامه، فيكون لهم شِرعةً ومِنهاجًا، فهو القائل: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) } {القمر: 17}.


