إنّه النقيب محمد بوقراوية (1807 – 1864)، وهذه سيرته بعد البحث في المحفوظات والأرشيف الفرنسي الذي رُفع عنه السِّرّ.
وُلِد سنة 1807 في دواوير وزمالات وهران، وتجنّد طوعًا سنة 1836 في الفوج الثاني من الرماة الجزائريين التابع للجيش الفرنسي، أي بعد ست سنوات فقط من احتلال الجزائر.
وفي سنة 1838، انضمّ إلى فوج الصبايحية المنظَّم ضمن الجيش الفرنسي في ولاية وهران.
شارك في مختلف المعارك والعمليات التي خاضها الجيش الفرنسي ضد المقاومة الجزائرية، ومنها معركة سيدي يحيى (1841).
وفي سنة 1842، رُقِّي إلى رتبة ملازمٍ ثانٍ في الجيش الفرنسي، بعد مشاركته في معركة الملاح ضد سيدي امبارك (الذراع الأيمن للأمير عبد القادر). ورغم إصابته بعيارٍ ناريٍّ أثناء القتال، واصل المعركة بشراسة.
وفي نوفمبر 1843، مُنح وسام جوقة الشرف اعترافًا بالخدمات “الثمينة” التي قدّمها لفرنسا.
شارك بفعالية كبيرة خلال معركة إيسلي (1844) ضد جيش سلطان المغرب الأقصى، وذلك بعدما ساعد السلطان المغربي المولى عبد الرحمن المقاومة الجزائرية واحتضن الأمير عبد القادر. وقد دفع ذلك الفرنسيين إلى مهاجمة المغرب، فانتهت المعركة بانتصارهم وفرضهم شروطًا قاسية على السلطان، من بينها توقيعه على اتفاقيةٍ تعهّد فيها بعدم مساعدة الجزائريين، وبمحاربة الأمير عبد القادر وتسليمه إلى السلطات الفرنسية إن لجأ إلى الأراضي المغربية.
نال الخائن محمد بوقراوية بعد هذه المعركة رتبة ملازمٍ أول، وصار يقاتل تحت أوامر الجنرال الفرنسي جوزيف فانتيني المعروف بلقب الجنرال يوسف.
كان لتحييد المغرب ووقف دعمه للمجاهدين أثرٌ كبير في إضعاف قوات الأمير عبد القادر والحدّ من تحركاته. وأخيرًا، غادرت قوات الأمير الأراضي المغربية، فأرسل الجنرال لاموريسيير وحدتين مكوّنتين من عشرين جنديًا من الصبايحية يرتدون برانيس بيضاء، بقيادة الخائن الملازم محمد بوقراوية، لملاقاة الأمير عبد القادر عند الحدود الجزائرية المغربية، وهناك ألقى القبض عليه.
وصل بوقراوية لاحقًا إلى رتبة نقيب (Captain)، وهي أعلى رتبةٍ كانت متاحةً لجنديٍّ جزائريٍّ في الجيش الفرنسي آنذاك، وكان من القلائل الذين بلغوها.
وفي سنة 1854، استُقبل من طرف الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث في باريس.
وفي 16 مايو 1864، قاد سربًا من الجيش الفرنسي لقمع ثورة أولاد سيدي الشيخ في الجنوب الجزائري، غير أنّ المجاهدين نصبوا له كمينًا أُصيب فيه بجروحٍ بليغة، وتُوفِّي بعد ساعاتٍ في المستشفى العسكري، بعد ثمانٍ وعشرين سنة من الخدمة “المخلصة” لفرنسا.
إنّ الذي ألقى القبض على عمر المختار، لم يكن ضابطًا إيطاليًا كما تُظهر الأفلام، بل كانت قوات من الفرسان السنوسيين المجنَّدين في الجيش الإيطالي الاستعماري، حاصروه وأَسروه ثم سلّموه للطليان. وهؤلاء المرتزقة كانوا من بني جلدتنا، يصلّون ويصومون ويحجّون… مرتزقة منتسبين زورًا إلى الإسلام، ومن بينهم جنود تشاديون وسودانيون خدموا ضمن ما يُعرف باسم: القوات المساعدة المحلية (الطوابير الليبية) التابعة للإيطاليين، والتي كانت تضم مرتزقة من تشاد والنيجر والسودان وليبيا.
وهكذا، لولا هؤلاء الخونة لما سُبينا، ولما تمكّن الغرب وورثته من الحكّام الأراذل من حكمنا. ولولا الجواسيس والمبهورين بالغرب، لما استطاع غربيٌّ أن يصمد في بلادنا ويتحكّم فينا إلى يوم الناس هذا.
فإذا أتاك اليوم شخصٌ يمدحُ الغرب حدَّ الانبهار، ويعادي كلَّ ما هو إسلاميٌّ من بني جنسه، فاعلم أنّه من نفس هذه الطينة النجسة الخبيثة؛ حتى وإن تظاهرَ بالإسلام.
هم العدو فاحذرهم، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.
—
المصادر:
Revue de l’Orient et de l’Algérie: Bulletin de la Société orientale
L’Algérie, histoire, conquête et colonisation


