هنالك جواب شهير يقترحه العديد من المفكرين والكتاب على هذا السؤال وهو أن تدرس وتعمل في الاختصاص الذي يحقق الثلاثية التالية:
رغبة: أن يكون لديك رغبة في دراسة التخصص.
قدرة: أن يتناسب مع قدراتك الشخصية.
فرصة: أن يكون هنالك فرصة للعمل فيه في السوق ويحقق عائداً اقتصادياً مرضياً.
أختلف مع هذا الجواب كلياً، لسببين:
الأول: لا تفكر في التخصص، بل فكر في المجال، مشكلة التخصص الدقيق أنه يضيق التفكير ويضيق مجالات العمل، فمثلاً لو ركزت فقط على اختصاص ما في الهندسة فهذا يعني أنك حكمت مسبقاً على نفسك بوظائف قليلة جداً ومجالات عمل محدودة (ربما تنحصر في أن تكون مهندساً).
أما التفكير في المجال فهو يفتح التفكير لديك بشكل واسع مباشرة، وهذا ينعكس على تطوير قدراتك وعلى الفرص التي يمكن أن تعمل فيها.
مثال ذلك: الشاب الذي يدرس الطب كتخصص (سينحصر دوره في عمل طبي تخصصي)، أما الشاب الذي يفكر في مجال تحسين الصحة العامة في البلد فلا نهاية للفرص والأعمال التي يمكن أن يعمل فيها وكذلك المهارات والمعارف التي يمكن أن تفيده.
مشاكل الحياة اليوم تحتاج لمن يفكر في مجالات لا تخصصات، والتسارع التكنولوجي يفسح الطريق لأصحاب المجالات، وربما يغلقه تماماً لأصحاب التخصصات.
أما ثلاثية (رغبة، قدرة، فرصة) فلن أنقدها حتى لا أطيل المنشور بل سأنتقل مباشرة إلى اقتراح ثلاثية بديلة هي:
الحب، المعنى، المال.
وهنا نصيحة غالية خاصة للشباب في مقتبل عمرهم، كرس وقتك وتفكيرك للعمل في مجال يحقق هذه الثلاثية:
1- الحب: لا يوجد شيء يستحق أن تختار أن تقضي عمرك في دراسة أو ممارسة عمل في مجال لا تحبه، حب المجال هو الذي يمنحك المتعة وهو الذي يعينك على أن تستثمر أكثر في نفسك في هذا المجال، لو عملت في مجال تحبه فلن تحتاج إلى تحفيز، بل – أقولها وأنا أعيش هذه الحالة – ستحتاج لمن يقول لك: اهدأ قليلاً، ارفق بنفسك، حاول أن تتزن.
2- المعنى: رحلتنا في الحياة ليست نزهة ممتعة، ما لم نشعر أن ما نقوم به له معنى عظيم فإننا سنصاب في محطات عديدة بالإحباط، سيراودنا سؤال: لماذا كل هذا الجري!؟
المعنى بالنسبة لكثير منا هو العمل لنهضة أمتنا وعزتها، ولتحرير واستقلال شعوبنا، ولمساعدة الضعفاء، ولعمل أثر وتغيير يذكر في السماء قبل الأرض، هذا المعنى هو الذي يمنحك الطاقة في الأوقات الصعبة، وهو الذي يدفعك لمزيد من الصبر، والتضحية أحياناً.
3- المال: لست طوباوياً ولا أحب الحديث بما لا أستطيع أن أطبقه، نعم أنا ممن يعتقدون أن المال ليس غاية لكنه بلا شك وسيلة ضرورية لتحقيق المعنى، بدون المال لن تستطيع الاستمرار، وبدونه لن تستطيع أن تفرغ من وقتك لتستمر في تطوير نفسك، بل إن المال معيار عند كثيرين لتقدير القيمة التي تمتلكها وتقدمها لهم وهذا مهم جداً.
نعم أعرف أشخاصاً استثنائيين مستعدون للتضحية مع زهد كامل في المال، وأعرف أشخاصاً لديهم وفرة مالية تغنيهم تماماً عن أن يكون المال معياراً في عملهم، لكنك غالباً لست منهم.
خطط لحياتك لتعمل في هذا المجال وحينها:
ستشعر بمتعة الرحلة، وستقدم قيمة عظيمة للناس، وسيكون معك من المال ما يعينك على الاستمرار والتطور.


