لعلّ إحدى أكبر مشاكل القادة هي حرص بعضهم على البقاء في المنصب!
وهذا الحرص لا يبقى حبيس أنفسهم، بل يترجم للأسف إلى قرارات مؤذية للعمل، وسأضرب على ذلك مثالاً:
عندما يريد هذا القائد أن يولي مديراً لمشروع أو مسؤولاً عن قطاع فينبغي أن يكون ذلك بناءً على خبرة هذا الشخص وقدراته، أما عندما تكون بوصلة القائد البقاء في منصبه فسوف تكون معايير التولية مختلفة والسؤال الأهم لديه سيكون:
من هو الشخص الذي لو عينته سيدعم قوتي ووجودي في منصبي، أمّا بقية المعايير فمجرد تفاصيل، قد تحضر وقد لا تحضر مطلقاً!
وما زلت مستغرباً لماذا كل هذا الحرص على البقاء في المنصب!؟
خاصةً أن كثيراً ممن أعرف من هؤلاء ليسوا بفاسدين مالياً حتى نقول إنهم يريدون المنصب لجمع الأموال، ولكنه الجاه!
معالي، سيادة، سعادة…الخ
ألقاب ستنزع بمجرد مغادرته الكرسي
والمواكب والترحاب والحشود ستغادر ملاحقة الكرسي وصاحبه الجديد
الأبواب تفتح قبل أن يصل، بل تفتح الأبواب لك من هو محسوبٌ عليه، والمفتاح هو الكرسي لا صاحبه
عندما يرى المسؤول نفسه محاطاً بهذا القدر من الاحترام بل من النفاق والتزلف والتودد من أكابر القوم وعامتهم، سيخشى على نفسه أن يغادر مكانه فتسقط الهالة والألقاب والأصوات والمفتاح.
ووالله لم أفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: إنا لا نولي هذا (أي الإمارة) من سأله ولا من حرص عليه، وفي رواية لمسلم: لا نستعمل عملنا من أراده.
لم أفهم هذا الحديث بهذا العمق إلا بعد عدة تجارب وجدت فيها بؤس الحرص على الإمارة، وضررها البالغ على العمل بل وعلى تشويه نفس صاحبها فهو يريد دائماً أن يظهر بأنه يستحق هذه المكانة وهذا الجاه، ولذلك يخشى من إبداء رأيه فيظهر خاطئاً، ويخشى أن يظهر في الحضور من هو أفهم وأجدر منه، ويخشى أن يخالفه رأي.
وهكذا يتعبه الوهم ليروي نفساً لا ترتوي.
ومع الأسف فإن كل مظاهر التبجيل والتفخيم والمواكب والاحتفاءات المبالغ فيها تزيد هذا المرض وتوصل المسؤول إلى درجة مرَضيّة متقدمة تجعله يفعل أي شيء حتى يبقى في منصبه.
نحتاج إلى قائد متزن واثق بنفسه يعرف قيمتها بشكل مستقل عن الكرسي الذي يجلس عليه، يقبل بالمنصب في حالة واحدة فقط وهي إذا اضطر إليه فوجد نفسه خير من يشغله، ويعمل منذ اللحظة الأولى ليغادره بتجهيز قادة آخرين قادرين على العمل بعده، وينتظر اللحظة التي يترك فيها منصبه ليعمل على ثغر آخر، فهو يرى نفسه أكبر بكثير من المناصب، ولا يرى المنصب إلا أداة استعمال سخرها له الله عز وجل ليخدم فيها أمته ومجتمعه.
هذه اللياقة النفسية عند القادة هي ما نحتاج إليه اليوم وهي شرط لازم غير كافٍ لنجاح عمل أي مؤسسة أو منظمة.


