لا ينكر عاقل أن مشاهد البطولات طيلة أيام الحرب من المجاهدين لا تحصى كثرة فقد شاهدنا بقايا من أثر بطولات وإقدام صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا…
إلا أن مشاهد بطولات مجاهدي رفح فاقت كل توقع ولا زالت تعمل عملها في كياني، فقد قدموا نماذج في الصبر والإقدام والتضحية والفداء عز نظيرها… حالهم يذكرنا بحال الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه في غزوة أحد الذي وقف موقفه المشهود حين شاع خبر مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعف عزم البعض، فقال لهم بكل ثبات: وما تفعلون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين وتقدم نحو المشركين يقاتلهم ويجالدهم وهو يقول: الجنة ورب النضر إني أجد ريحها دون أُحد… حتى استشهد رضي الله عنه، وما عرفه أحد بعد المعركة إلا أخته عرفته ببنانه حيث وجدوا فيه أكثر من ثمانين ضربة بين طعنة برمح ورمية بسهم وضربة بسيف… ونزل قول الله عز وجل: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. ليجزي الله الصادقين بصدقهم… الآية)… حتى قال الصحابة رضوان الله عليهم كنا نقول أن هذه الآية نزلت في أنس بن النضر وأمثاله من المؤمنين…
وما أمثاله من المؤمنين اليوم ممن قضى نحبه إلا كمجاهدي رفح نحسبهم والله حسيبهم… صبروا وما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا حتى لقوا ربهم مقبلين غير مدبرين…
ونحن وإن كنا نحزن على فراقهم إلا أننا نصبر على هذا الفراق، وفي ذات الوقت نوقن بأن الله عز وجل سيجعل عاقبة هذا الصبر وهذا اليقين بإذن الله فرجا ونصرا وإمامة في الدين وقدوة للعالمين…
ومن كمال اليقين الثقة بموعود الله وحسن الظن بالكريم سبحانه وأنه عن قريب سيشهدنا مشاهد العز والظفر من رقاب أعدائنا ويورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم مما يهون علينا كل مصاب ويقلل في مقابله كل بذل وتضحية وعطاء…
قال أبو القاسم القُشيري رحمه الله:
وإنّ شهود خِزي العدو مما يُهوِّن مقاساة السوء، والظفر بالأرب يُذهب تعب الطلب، والأيام نُوَب، والحالات دُوَل، ولا يخفى على الحق شيء، ومَن غضب لله فإنّ نصر الله قريب .
اللهم مكّن لعبادك الصالحين في الأرض واجعلنا منهم، وانتقم بنا من عدوك وعدونا، واشف صدورنا، وأذهِب غيظ قلوبنا، وارحم شهداءنا وتقبلهم في عليين، ورُدّ الغائبين منا سالمين غانمين. اللهم آمين يا رب العالمين.


