في مطلع عام 2021 اتخذت وزارة الدفاع الامريكية قرارا بنقل تبعية إسرائيل من القيادة الأوروبية للقوات الامريكية الى التبعية للقيادة المركزية الأمريكية، ثم أصبح القرار موضع التنفيذ في سبتمبر من نفس العام، وَحَذَّرْتُ يومها في مقال لي منشور على صفحتي من ان هذا الامر ليس قرارا “تكتيكيا” بل هو تعبير عن تهيؤ لمرحلة استراتيجية ستكون إيران خلالها هي “عقدة” التفاعلات الشرق أوسطية، وان هذا النقل يوحي باضطراب قادم لخلع هذه العقدة.. ولكن لقد اسمعت لو ناديت حيا….
ولفهم ملابسات هذه القضية، من الضروري الإشارة الى ان القيادة المركزية (CENTCOM) التابعة لوزارة الدفاع الامريكية نشأت عام 1983، وكان الدافع لإنشائها هو التحولات العميقة والمتلاحقة التي اصابت منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى باعتبارهما مركز عدم الاستقرار الآسيوي من منظور امريكي، وتمثلت هذه الاحداث الكبرى في قيام الثورة الإيرانية والتحول الاستراتيجي في توجهات هذه الدولة بعيدا عن النفوذ الأمريكي، ثم اتفاقية كامب ديفيد وخروج مصر من الصراع العربي الصهيوني، ثم تنامي مظاهر البعد السياسي للحركات الدينية والتوجه نحو العنف كما تبين بعد هجوم جهيمان العتيبي على الكعبة وما احدثه من مخاوف أمريكية على استقرار الخليج، وتعزز ذلك كله بالتدخل السوفييتي في أفغانستان، ثم الارتباك لتحالفات المنطقة بعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية، ثم الانقلاب العسكري في تركيا(انقلاب كنعان ايفرين)، ثم اغتيال أنور السادات وضرب المفاعل النووي العراقي من قبل إسرائيل، تلاه اجتياح الجنوب اللبناني ومجزرة صبرا وشاتيلا وتنامي دور حزب الله والذي كان تدمير السفارة الامريكية في بيروت والهجوم على مقر المارينز الأمريكيين في لبنان من ابرز مؤشراته الأولية.
في ظل كل هذه التطورات الكبرى، أدركت الولايات المتحدة ضرورة اعداد خطة لمواجهة تداعيات كل هذه الأعاصير السياسية، فكان انشاء القيادة المركزية للقوات الامريكية لكي تقوم بإدارة رد الفعل الأمريكي ومواجهة كل هذه التداعيات، ولعل بنية هذه القيادة تشي بما وراء الأكمة، فهي تضم قطاعات الجيش المركزي (القوات البرية) والجوية، والبحرية والمشاة والعمليات الخاصة، وتم الاستقرار على تحديد مهامها في المنطقة الممتدة من مصر الى الخليج والعراق وسوريا والأردن واليمن وأفغانستان وأطراف آسيا الوسطى المحاذية لهذه الدول.
اما مهام القيادة المحددة طبقا لمنشورات وزارة الحرب الامريكية المنشورة على موقع الوزارة في يناير 2021، فهي إدارة العلميات العسكرية ومكافحة الإرهاب والتنظيمات المسلحة (أي قوى المقاومة) وردع ايران تحديدا، وحماية خطوط الملاحة الدولية بخاصة في الخليج والبحر الأحمر، واجراء المناورات والتدريبات المشتركة مع جيوش المنطقة المشاركة في التوجه الأمريكي بخاصة في مجال “تنسيق الدفاع الجوي والصاروخي والاستخباري مع الشركاء الإقليميين، وتتضح توجهات ذلك في مقدمة البيان الذي أصدرته وزارة الحرب ونص حرفيا على ” في إشارة للتغيرات في البيئة السياسية في الشرق الأوسط ستقوم العسكرية الامريكية بنقل إسرائيل من منطقة المسؤولية للقيادة الأوروبية للقوات الامريكية التي مركزها في المانيا الى القيادة المركزية الامريكية.
وتحدد الوثيقة التأسيسية دوافع ذلك نصاً، “بالاعتراف المتتالي من الدول العربية بإسرائيل وصولا لاتفاقيات ابرهام” وتضيف الوثيقة نصا “إن هذه التغيرات وفرت فرصة استراتيجية للولايات المتحدة للتحالف مع شركاء أساسيين ضد المخاطر المشتركة في الشرق الأوسط، وتعد إسرائيل شريكا استراتيجيا للولايات المتحدة في هذا الشأن”.
ذلك يعني ان نقل إسرائيل من القيادة الأوروبية هو تعبير عن أن الظروف الاستراتيجية في المنطقة أضحت تسمح بتنسيق عربي امريكي إسرائيلي للجم المخاطر التي تهدد هذا الثالوث، وهنا نسأل: من هو مركز هذه المخاطر؟ للإجابة عن ذلك نحيل الى محضر جلسة استماع لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ بشأن القيادة المركزية الامريكية والقيادة الامريكية في افريقيا في إطار استعراض طلب تفويض الدفاع للسنة المالية 2022 وبرنامج الدفاع للسنوات المقبلة.
وبقراءة هذه الوثيقة نجد ان ايران كانت مركز تبرير الخطوة الامريكية بنقل إسرائيل، فقد ورد ذكر إيران 33 مرة في متن الوثيقة المكونة من 42 صفحة، وسياق الذكر لإيران يأتي ضمن عرض مخاطر إيران على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وضرورة لجم الخطر الإيراني بالتعاون مع دول التطبيع العربي بشكل رئيسي، وتتضح هذه المسألة في النص الحرفي لمنطوق الوثيقة الأمريكية بخاصة الصفحات 26-27، وتعرض الوثيقة مخاطر إيران على الولايات المتحدة وشركائها في الابعاد التالية: برنامجها النووي، مخاطر أذرعها في المنطقة بخاصة على إسرائيل، علاقاتها مع دول مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية، دورها في أفغانستان، سعيها لإخراج النفوذ الأمريكي من العراق..، ولعل الصفحات 16-17 كاشفة بشكل لا لَبس فيه.
ولعل تصريح رئيس القيادة المركزية الأمريكي الجنرال مايكل كوريلا، لاكسيوس (AXIOS) في 20 يوليو 2022 يوضح ما يجري حاليا تماما حيث قال حرفيا” ان نظام الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل في الشرق الأوسط بمشاركة إسرائيلية يعد أولوية بالنسبة للولايات المتحدة”.
ما صلة ذلك كله بما يجري الآن؟ هل هو سؤال مطروح ام جواب مطروح؟ ذكاء القارئ يكفي.. ربما


