يمكننا أن نفهم موقف عثمان -رضي الله عنه- لما قال حين تنكَّر له الناس وأساء إليه الغوغاء من جلدة الفجار؛ متغافلين عن حسن تدبيره للمسلمين وحسن سبقه في الإسلام فقال -رضي الله عنه-: (إنَّ هؤلاء النَّفَر رَعاع غَثَرة، تطأْطأْت لهم إخواناً وأراهموني الباطل شيطاناً، أجْرَرْتُ المرسُون رسَنَهُ وأبْلغْتُ الرَاتِغ مَسْقانَه، فتفرَّقوا عليَّ فِرَقاً ثلاثاً، فصامِت صَمْتُه أنْفَذُ من صَوْل غيره، وساعٍ أعطاني شاهِدِه، ومَنَعنِى غائبه، ومُرخَّص له في مُدَّة زُيَنت في قَلْبه، فأنا منهم بين ألْسُن لِداد، وقُلوب شِداد، وسُيوف حِداد، عَذيريَ اللَه منهم، ألا يَنْهى عَالِم جاهِلاً، ولا يَرْدَع أو يُنْذِر حليم سَفيهاً، واللّه حَسْبي وحسْبُهم يوم لا ينطِقُون، ولا يُؤذَن لهم فيعتذرِون)
ومعناه أنه طأطأ رأسه تواضعا لأناس لا يستحقون فمن كان منهم من أهل الخير فليس يدافع عنه بل ويسكت في الوقت الذي ينبغي له أن يتكلم ويدافع وآخرون منهم صاروا غير ثقات فيعطون ما يحصى عليهم ويأكلون ما خفي؛ ومنهم من وثق فيه وترك له حرية التصرف فأساء العمل وفتن بالدنيا وللفائدة نجمل شرح ألفاظ الحديث – كما ذكر ذلك ابن قتيبة رحمه الله في شرح غريب الحديث (2/78).
يقال: رجل أغتر إذا كان جاهلاً ” وقوله: تطأطأت، يريد: خفَضْت لهم نفسي وذلَّلْت والدلاه: جمع دَالٍ، وهو النَّازع بالدَّلُو يقال: تركت فلانا متحيرا يتلدَّد، وإنّما أراد به انّه داراهم وراقَبهم وقولُه: أحررْته رسَنَه، يريد أنَّه خلاَه وأهْمَلهَ يرعى كيف شاء، والراتِع، الذي يرتعي، والمَسْقاة، موضع الشُرْب وهو بفتح الميم قولُه: ومرخَّص له في مُدَّة زيَّنت في قلْبه، والمُدَّة: أيام العُمْر، وقولُه: زيَنت في قلْبه، يريد أَن هذه الأيام في الدنيا حُبِّبَتْ إليه فباع بها حَظَّه من الآخرة، فهو يستحلّ منيّ ما يحرُم عليه. أو نحوه من المعنى وقوله: فصَامِت صَمْتُه أنفذ من صَوْل غيره، يقول ِمْساكه أشدُّ من تَطاول غيره ووعيده. يقال: صالَ عليه إذا علاهَ.
تموت الأسد في الغابات جوعا
ولحم الضأن يرمى للكلاب
وذو جهل ينام على حرير
وذو علم ينام على التراب
ومع ذلك فينبغي ألا نيأس من إصلاح ذوي الجلد من الناس فلنذكرهم بالله تعالى ولنحببهم فيه ولنطرح دعوتنا من غير استكانة ولا ضعف ولا منة على خلق الله أيضا ولنحذرهم غضب الله تعالى ونقمته ببيان سوء ما يقومون به من نصرة الباطل والدفاع عنه أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: « من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ».
وأخرج البيهقي عن واثلة بن الاسقع يقول: سألت رسول الله ﷺ أمن المعصية أن يحب الرجل قومه؟ قال “لا، ولكن من المعصية أن يعين الرجل قومه على الظلم”.
ومن أهم المواضيع التي يجب تكثيف طرحها على أهل الجلد: التزهيد في الدنيا وملذاتها، ولعمري إن هذه القضية من أساسيات الدين، ولم تكن مواعظ القرآن والسنة إلا مُدَنْدِنَةً حولهما. ومع وجود المواعظ الزهدية لا بد أن توجد النماذج الزاهدة التي تذكر الناس بالله والدار الآخرة، ويجب استغلال المناسبات التي تحضر فيها القلوب كمناسبات احتضار المرضى وعند الموت والدفن في التزهيد في الدنيا والترغيب فيما عند الله تبارك وتعالى.
فما المعنى بأن نَحْيَا
فلا نُحْيِي بنا الدينا
وبالجملة لا بد لمن اختار طريق الباطل لينصره أن ينتبه أن الدنيا ساعات تمر ولسوف يجد بعدها حسابا على مثاقيل الذر فليعد للسؤال جوابا وليسارع بالتوبة
ويروى عن الأحنف أنه قال لا تزال العرب عربا ما لبست العمائم وتقلدت السيوف ولم تعدد الحلم ذلا ولا التواهب فيما بينها ضعة قال أبو العباس محمد بن يزيد قوله ما لبست العمائم يقول ما حافظت على زيها وقوله وتقلدت السيوف يريد الامتناع من الضيم وقوله ولم تعدد الحلم ذلا هو أن تعرف موضع الحلم وهو ألا تكون تخاف أحدا ولا تخاف عاقبة تكرهها وقوله ولا التواهب ضعة فهو أن يهب الرجل من حقه مالا يستكره عليه
العمل المقبول في المعايير الإسلامية هو ما توفر فيه الإخلاص والصواب والإخلاص ضرب من الأمانة، والصواب وهو هنا موافقة الشريعة ضرب من القوة، هذا بصورة عامة، لكن في أحيان كثيرة يكون ما يطلب من أحدهما أكثر مما يطلب من الآخر؛ فالثواب يتعلق بالإخلاص أكثر من تعلقه بالصواب، فالمجتهد المؤهل ينال أجراً إذا استفرغ وسعه وإن كان اجتهاده خاطئاً، لكن لا ثواب ألبتة على عمل لا يراد به وجه الله تعالى، أما النجاح والوصول إلى الأهداف المرسومة في الدنيا فإنه مرتبط بالصواب أكثر من ارتباطه بالإخلاص، فكم من مؤسسة يديرها أكفاء ليس عندهم شيء من الأمانة، ثم حققت أهدافها المادية كاملة وكم من مؤسسة أدارها أخيار غير مؤهلين، فأعلنت إفلاسها!
وقد ذكر ابن خلدون أن للناس مذهبين في استخدام الأكفاء غير الثقات وتقديمهم على الثقات غير الأكفاء، واختار هو استخدام غير الثقات إذا كانوا مؤهلين؛ لأن بالإمكان وضع بعض التدابير التي تحد من سرقاتهم أما إذا كان المستخدم لا يحسن شيئاً فماذا نعمل به؟!
وقد ولى النبي -صلى الله عليه وسلم-أهل الكفاية الحربية مع أن في الصحابة من هم أتقى منهم وأورع؛ لأن القوة (البسالة وحسن التخطيط) تطلب في قيادة الجيش أكثر من الأمانة، مع أنهم كانوا بكل المقاييس من الأمناء الأخيار وطلب بعض الصحابة ممن عرفوا بالزهادة والورع الولاية على بعض أمور المسلمين فحجبها عنهم لضعفهم.
نحن في مراجعة أخطائنا نركز على جانب الأمانة، ونهمل جانب القوة فإذا ما أخفقنا في عمل ما قلنا نحن بحاجة إلى تقوى وإخلاص، وإن اتباع الأهواء هو السبب في ذلك، ولا ريب أن الإخلاص مفتاح القبول والتوفيق وأن التقوى تستنزل الفرج، لكن ما هي المعايير التي تمكننا من قياس درجة التقوى ومقدار الإخلاص الموجود إذا ما أردنا التحقق منه وكيف نستطيع التفريق بين عمل دفع إليه الهوى وآخر دفع إليه الاجتهاد؟! كل ذلك مما يستحيل قياسة، وبالتالي فإنه لا يمكن تحديده وما لا يمكن تحديده لا يصلح لأن يكون هدفاً.
وبإمكان الناس أن يقولوا: إلى ما شاء الله نحن أتباع هوى دون أن تستطيع أن ترد على أحد منهم رداً شافياً قاطعاً! على حين أن قياس القوة ممكن، وإدراك الخلل فيها يكون عادة ظاهراً يمكن وضع الإصبع عليه فحين يأتي خطيب ليتولى إدارة جيش، أو التخطيط لمعركة، وحين يتولى رسم سياسات العمل رجلٌ لا يعرف الواقع، فلا يقرأ جريدة ولا يستمع إلى نشرة أخبار، ولا يحسن قراءة أي شيء يحيط به، فإن الخلل لا يحتاج إذ ذاك إلى شرح حيث تتولى شرحه النتائج! وحين يتصدى للاجتهاد في أمور خطيرة أشخاص لا يملكون الحد الأدنى من المعلومات حولها، وتترتب على اجتهاداتهم فواجع أكبر من أي جريمة ماذا تكون الحال؟!
لقد آن الأوان لوضع الأمور في نصابها، بتأهيل الشخص قبل إيجاد العمل الذي سيعمله، بدلاً أن يوجد المنصب ثم يبحث عمن يسد الفراغ ليس أكثر!
عالمنا الإسلامي النموذج المثالي للقوى الكامنة، فكل ما عندنا (خام) الإنسان والطبيعة والموارد، ولعل لله في ذلك حكمة بالغة؛ إذ أن تشكيل الإنسان المسلم لو تم قبل بزوغ الصحوة المباركة لكان أكثر ضرراً من بقائه على حاله.
هذه القوى الكامنة ستظل ثغرات في حياتنا أياً كان موقعها في ظل التكالب العالمي على الصعيد الثقافي والاقتصادي، وهذه القوى الكامنة تحتاج إلى تفجير وإلى إخراج في شكل جديد يمنحها وزنها الحقيقي وإخراج القوة مهمة الدولة أولاً؛ فهي المسؤولة عن تفجير الطاقات كافة وتوجيهها، ومهمة صفوة الصفوة من صانعي المبادرات الخيّرة، الذين يمتد بصرهم دائماً إلى مستوى أعلى من المستوى الذي تعيش فيه أمتهم فيوجدون باستمرار الأفكار والأطر والأجواء والآليات التي تُفَعّل القوى الخامدة المجهولة للناس حتى حامليها.
واليهود هم من أساتذة العالم في (إخراج القوة) وتوظيفها واستغلالها وصحيح أن ديننا يحول بيننا وبين وسائل كثيرة استخدموها حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، لكنني أعتقد أنه مازال في هذا العالم مكان فسيح للمسلم المبصر الأريب..
وقد بدأت الأمة في امتلاك القوة، وبدأ المارد الذي نام قروناً يصحو وهو الآن يتفقد أعضاءه وحواسه، ويحاول أن يتعلم المشي في (حارة) الكرة الأرضية، لكن بعضاً منا بدؤوا يخبطون يمنة ويسرة قبل أن يفتحوا عيونهم وقبل أن يعقلوا الأجواء التي يصحون فيها؛ ليغروا العدو بتوجيه الرصاصة القاتلة قبل أن يقفوا على أقدامهم!
إن فهم الحياة المعاصرة شرط أساسي يجب توفيره عند كل أولئك الذين يريدون توجيهها والتأثير فيها، ولن يكون ذلك ممكناً ما لم نكن نحن من صانعي قراراتها وخياراتها..
الأمانة قيد على القوة، فهي التي تحدد مجالات استخدامها وكيفياته والقوة الآن في يد الآخرين على ما نعرف، والقيود الأخلاقية عندهم آخذة في الضعف يوماً بعد يوم؛ لأنها لا تعتمد على إطار مرجعي أعلى يمنحها الثبات ومن ثم فإن القوة ليست في طريقها إلى الانطلاق من أي ضابط أو حسيب، لكنها في طريقها إلى صنع قيودها بنفسها الصناعة التي تمكنها من مزيد من الانطلاق، وهي بذلك تجعل الآخرين يتوهمون أنها قيود؛ حتى لا يشعر أحد أن هناك فراغاً أخلاقياً يجب ملؤه! وما النظام العالمي الجديد سوى الأحرف الأولى في أبجديات القيود الجديدة!.
وهذا يوجب علينا المزيد من التفكير والتأمل فيما يجب عمله، ونحن مع ضعفنا قادرون في هذا المضمار على عمل الكثير الكثير إذا فهمنا لغة العصر، وأحسنا إدارة الصراع؛ إننا نملك القيود (الأمانة)، وهم يملكون القوة، فهل نسعى إلى امتلاك القوة المقيدة حتى يصطلي العالم بالنار دون أن يحترق؟


