في تحول سياسي لافت يعكس حجم التغيرات داخل المشهد الليبي، شنّ عبد الحميد الدبيبة هجومًا غير مسبوق على جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، معلنًا بشكل صريح أن الجماعة “لم يعد لها وجود” في البلاد، وأنها لن تجد طريقًا للعودة إلى السلطة أو التأثير السياسي مجددًا.
تصريحات الدبيبة، التي جاءت خلال لقاء مع أعيان منطقة قصر الأخيار، حملت لهجة حادة تجاه الجماعة التي ارتبط اسمه بها سياسيًا خلال السنوات الماضية، ما جعل مراقبين يعتبرونها نقطة تحول مهمة في علاقة رئيس الحكومة بالتيار الإسلامي داخل ليبيا.
الدبيبة لم يكتفِ بالنقد السياسي، بل وجّه اتهامات مباشرة لبعض قيادات الجماعة بمحاولة “الانقلاب السياسي” عليه، كاشفًا أن أحد عناصر الإخوان استغل فترة مرضه الأخيرة للتواصل مع أطراف خارجية، والترويج لفكرة عدم قدرته على الاستمرار في الحكم بسبب احتمالات وفاته، في محاولة – بحسب قوله – للتمهيد لخلافته على رأس الحكومة.
رسائل سياسية متعددة
الهجوم المفاجئ على الإخوان لا يبدو معزولًا عن التحولات الجارية في ليبيا، خاصة مع تصاعد الصراع على شكل المرحلة المقبلة، ومحاولات إعادة ترتيب التحالفات السياسية قبل أي تسوية أو انتخابات محتملة.
فعلى مدار السنوات الماضية، ارتبط اسم الدبيبة بتحالفات وثيقة مع قوى محسوبة على التيار الإسلامي، وكان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز المستفيدين من دعم هذا التيار داخل الغرب الليبي، سواء سياسيًا أو داخل مؤسسات الدولة.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن رئيس الحكومة بدأ تدريجيًا في إعادة تموضعه السياسي، محاولًا تقديم نفسه بوصفه رجل “الدولة المدنية” بعيدًا عن الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية.
وفي هذا السياق، شدد الدبيبة على رفضه لما وصفه بـ”الأفكار والفتاوى المعلبة القادمة من الخارج”، مؤكدًا أنه لن يسمح بفرض نماذج دينية على المجتمع الليبي، وأن مشروعه السياسي يقوم على بناء دولة تحكمها القوانين والدستور، لا الجماعات أو المرجعيات العابرة للحدود.
فك ارتباط أم مناورة سياسية؟
التحول في خطاب الدبيبة أثار تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية الليبية حول ما إذا كان الرجل قد بدأ فعلًا في فك ارتباطه بجماعة الإخوان، أم أن الأمر لا يتجاوز مناورة سياسية فرضتها حسابات المرحلة الحالية.
ويرى مراقبون أن رئيس الحكومة يحاول توسيع قاعدته السياسية داخليًا وخارجيًا، خاصة في ظل التغيرات الإقليمية والدولية التي لم تعد تمنح الجماعات الإسلامية المساحة نفسها التي كانت تتمتع بها بعد 2011.
كما أن الدبيبة يدرك – وفق محللين – أن أي مشروع سياسي مستقبلي في ليبيا سيحتاج إلى خطاب أكثر براغماتية وأقل ارتباطًا بالتيارات الأيديولوجية، خصوصًا مع تزايد الضغوط الدولية نحو إعادة تشكيل السلطة وإنهاء حالة الانقسام.
الإخوان.. تراجع النفوذ لا نهاية الحضور
ورغم تأكيد الدبيبة أن الإخوان “انتهوا سياسيًا”، فإن الواقع الليبي يشير إلى أن الجماعة ما تزال تحتفظ بحضور داخل بعض المؤسسات والشبكات السياسية والاقتصادية، وإن كان نفوذها قد تراجع بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.
فالتغيرات الإقليمية، والانقسامات الداخلية، وصعود قوى جديدة داخل الغرب الليبي، كلها عوامل أضعفت قدرة الجماعة على فرض نفسها لاعبًا رئيسيًا كما كانت في السابق.
لكن في المقابل، يرى متابعون أن استبعاد الإخوان بالكامل من المشهد الليبي لا يزال أمرًا معقدًا، بالنظر إلى تشابك التحالفات السياسية والعسكرية داخل البلاد.
ليبيا أمام مرحلة إعادة التموضع
تصريحات الدبيبة تعكس في جوهرها مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي داخل ليبيا، حيث بدأت التحالفات القديمة تتآكل، وبدأت القوى المختلفة تعيد حساباتها استعدادًا لما بعد مرحلة الانسداد الحالية.
وفي ظل التحركات الأممية المتسارعة ومحاولات فرض ترتيبات سياسية جديدة، يبدو أن كل الأطراف الليبية تسعى الآن إلى تحسين مواقعها داخل أي معادلة قادمة.
ولهذا، فإن هجوم الدبيبة على الإخوان لا يمكن قراءته فقط باعتباره خلافًا عابرًا، بل مؤشرًا على تحولات أعمق قد تعيد رسم خريطة التحالفات السياسية في ليبيا خلال المرحلة المقبلة.






