ماذا أكتب عن الاشتراكية والرأسمالية؟
بدأ الأمر عندما تساءلت: لماذا لا تصل القضية الفلسطينية لبر؟ ولماذا لم بلد معلقا طوال هذه السنوات؟
أثناء بحثي عن إجابات، زادت أسئلتي تشعبا، وكبرت حيرتي، وخاصة أن الإجابات كانت سطحية، مبعثرة، لا تندرج تحت عناوين رئيسية، غير مرتبطة بالماضي وكأن العالم بدأ منذ تاريخ الحرب العالمية الأولى، وتشير بإصبع الاتهام دائما نحو قطب أوحد معلن يدعمه عدو متآمر خفي!
كانت الإجابات المختصرة والمعلبة غير كافية لي من وجهة نظري، ومن هنا بدأت أفتش عن خيط يربط الأحداث العالمية الجارية بالتاريخ، وعن شفرة تفك طلاسم مواقف الدول والسياسيين المتناقضة تجاه الحدث الواحد.
يعد المال هو الحبل الذي اعتصم به العالم سواء في الامبراطوريات القديمة أو الدول الحديثة، والذي طالما دقت لأجله طبول الحرب، واحتدمت بسببه الصراعات.
أبرزت المواقف القرآنية والأحاديث النبوية عمق تأثير المال على شخصية الانسان ومجتمعه ومترفيه وحكامه، وسردت قصصا كان للمال دورا أساسيا في مصائر أبطالها، ومن المثير للإعجاب أن الله تعالى شبه العمل لوجهه الكريم بالتجارة، ووصف الثواب بالمكسب والأجر، والعقاب بالخسارة.
غرقت اليهودية في المادية، وسبحت المسيحية في الروحانية، إلى أن جاء الاسلام ليوازن بين الاثنتين، وليكون الدين الجامع الخاتم لرسالات الله، ثم سن الجهاد بهدف نشره كإنذار أخير للبشر قبل أن تأتي القيامة ويقضي بين الناس.
شهدت الأرض لأول مرة معارك تندلع بغرض نشر دين يحمل شرائع تطهر العالم، بعد أن كانت تشتعل من أجل السلطة والنفوذ والمال.
بدأ الصراع بين محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه من جهة، وسادة قريش ومترفيها من جهة أخرى، والمترفون كما علمنا القرآن هم من يتسيدون في عصور الظلام ويجرون من دونهم للرذائل، ويدفعون نحو استمرار انتشار الجهل واغتيال صوت العقل الذي سيقيد طغيانهم.
توسع المسلمون، وقامت خلافاتهم المتتالية لتصنع امبراطورية يمثل الإسلام عنصر تماسكها الذي تخضع له الأمم الأخرى لعلمها أن أنصاره جاهزون لبذل الروح في سبيله.
أدرك المسلمون قبل سقوط الخلافة العثمانية أن إغارة العدو عليهم هي عملية سطو مسلح، وأن هدفها هو تفتيت صلابة مضمون دينهم الذي يحول كسد ذي القرنين بينهم وبين أطماعه المادية التي تحفظ له مظاهر النعيم الآثم.
على عكس الأمم الأخرى، فمن قادوا معارك الفتح الإسلامي كانوا من خيار رموز الدعوة، وكان هدفهم هو نشر الرسالة، أما من تزعموا غارات أعداء الإسلام الاستعمارية التوسعية، فكانوا أكثر أمرائهم دموية وهمجية.
لا يحارب العدو المسلمين بناء على نظرة طائفية كما يظن كثيرون، لأن دينه لم يأمره بجهاد كما في الإسلام، لذلك هو لا يفهم معنى القتال في سبيل نشره أو دفاعا عنه.
لا يرى العدو الله بعين المسلم، فصورة الإله لديه مشوهة منقوصة، والإجابات عن أسئلته الدينية غير مقنعة، لذلك فقد اختار عقله كمقياس يزن به أمور حياته، ما أدى به في النهاية لاعتناق عقيدة نفعية تقوم على عبادة الدرهم، وتأليه الهوى.
إن عدم اعتبار نظرة العدو المادية هدف رئيسي لحربه على الإسلام يسبب انفصالا عن الواقع المعاصر؛ فالخصم يسعى لتفريغ الإسلام من قوانينه التي تسمو بقيم الانسان فوق المادة والشهوات، ولا يمانع أن يبقي على الهيكل الإسمي له طالما لا يشكل ذلك عائقا يحول بينه وبين رغباته.
حين يتوقف فهم المسلم عند المعنى السطحي لرغبة غريمه في هدم دينه، ستتحول قضاياه لشعارات يملها حين تتكرر الهزائم، ومع الوقت ستنضب دموعه وتحل محلها اللامبالاة، وسيبحث عن مخدرات فكرية تلهيه عن ألمه وانكساره، وهذا ما يراهن عليه العدو.
بعد سقوط الخلافة الإسلامية التي مثلت قوة عظمى واعتبرت قطب العالم الوحيد لعدة قرون، حل محلها النظامان الاقتصاديان (الرأسمالي والاشتراكي)، وتمددا على حسابها وعاثا في الأرض فسادا.
ألقى الفكر الإسلامي بظلاله على عقول فلاسفة العالم خلال عصور ظلامه، فقد شهدوا في تطبيق الشريعة عدلا حرموا منه في مجتمعاتهم، ومن هنا بدأت الاشتراكية تطل برأسها وتطالب بحقوق الفئات المهمشة، لتتحول إلى صداع مزمن يقض مضجع الرأسمالي.
لا يتمتع النظامان الرأسمالي والاشتراكي بذكاء ولا مقومات نجاح، ويعتمدان على مبدأ اضعاف المنافس إن تعسر التفوق عليه، فالفريق الفاشل لا يكسب إلا حينما يكون منافسه البطل مصابا.
يتصارع النظامان الاقتصاديان (الرأسمالي والاشتراكي ) في حلبة عالمنا المعاصر بكل ما أوتيا من وحشية واجرام، إلا أنهما بالرغم من ذلك يجتمعان على ذبح أي فرصة قد تساهم في تحطيم قيود غول الاقتصاد الإسلامي، وإعادة عنقاء الدولة الإسلامية إلى الحياة.
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد عشنا بعده ورأينا اختلافا كثيرا، وشهدنا تداعي الأمم على المسلمين بعد أن أصاب الوهن قلوبهم، ونزعت مهابتهم من قلوب عدوهم، فأصبحوا كغثاء السيل، لذلك وجب على الفرقة الناجية منهم أن يدركوا عظم دورهم، وأن يدرسوا عدوهم باستقلالية، وأن يقرأوا الحاضر بعيون الماضي، وأن يتحلوا بتأني التخطيط وصبر التنفيذ، وأن يستحضروا روح الجماعة، وأن ينتبهوا للتفاصيل، وألا يحكموا على خصمهم بعين مثاليتهم، وألا ينجرفوا مع سيل الأخبار والشائعات.
قد يكون اختلال ميزان التسليح بين الدول هو السبب الثاني في حالة الفوضى التي يعيشها العالم اليوم، لكن ضياع بوصلة المسلمين هو سببها الأول.
إن العودة إلى الله ليست شعارا وليست اجتنابا للمعارك، بل إنها إعادة ضبط لشخصية المسلم الذي ابتعد كثيرا عن ركنه الشديد، فتشوش ذهنه، وفقد الأمان، وضاع من قدميه الطريق، وتخبطه العدو من المس، وصار يركض نحو كل سراب يظنه رشفة نصر.
يقولون أن القوة هي الحل، وأقول أن استعجال الصدامات دون تعمق وفهم لن يجلب سوى هزائم جديدة، وأن استحضار آيات القرآن وسير الأنبياء والصالحين هدفه بناء شخصية مسلمة واعية مجاهدة، وليس لي ذراع تفاسيرها لإسقاطها على الأحداث عنوة من أجل اثبات وجهة نظر تؤيد هوى.
إننا المسلمون نمر بمرحلة مرضية تشبه السرطان، لكننا نرفض تلقى العلاج، ونتكبر على طلب العون من الله وحده بعيدا عن شعارات القدرة والاستطاعة الدخيلة على تلقينا لأقداره.
إن صلوات بالليل في زمن البلاء هي أكنة تحمل ملايين السهام، إن الدعاء الذي هو أضعف الايمان في زمان العجز قد يصنع المعجزات.
أعلم أن تفكيك قنبلة على وشك الانفجار في الظلام وتحت المطر لأمر عصيب لكنها مسئولية كل أصحاب العقول في زمن الجنون.


