شهد العصر الذهبي للإسلام الذي امتد من القرن الثامن الميلادي وحتى القرنين الرابع عشر والخامس عشر طفرة حضارية في كل المجالات في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتخبط في أحلك عصور ظلامها.
اعتمد عصر النهضة الأوروبي على مخرجات الحضارة الإسلامية، وقام رواده بتشكيلها والإضافة إليها بهدف صناعة نظام رأسمالي لأجله أعيدت صياغة المعتقدات الدينية، ولتأصيله وضعت النظريات العلمية، وتحت ظلاله انتشرت الأطروحات الثقافية والمعرفية.
بتفوق التقنيات العسكرية الأوروبية في نهاية القرن السابع عشر، وبطلب المسلمين المعرفة من الأوروبيين، انقلب ميزان القوة لصالح النظام الجديد.
انكشفت المظلة الإسلامية من فوق رءوس المسلمين مع سقوط الدولة العثمانية، مرورا بمرحلة الاستعمار الغربي، ووصولا لما بعد الاستقلال، ورافق ذلك تسلل عمليات تغريب ممنهجة داخل أروقة المجتمعات المسلمة، وهجرة العقول النيرة إلى النظام الرأسمالي الغربي لاحتياجهم للدعم المادي والمعنوي، وهروبا من انهيار المنظومة العلمية والبيئة الصحية للبحث.
أمكن التفوق العسكري الغربي النظام الرأسمالي من تنصيب حكام للبلاد التي استعمرها، فعملوا لأجله كوكلاء محليين، فمحو التاريخ، وعمموا النسخة الغربية للمعارف، وصدعوا أساسات المنظومة العلمية.
من خلال الحكام الوكلاء، نشر الرأسمالي الغربي مدارسه وجامعاته على أرض المسلمين كأنجع وسيلة لطباعة نسخ محلية من الأصول الغربية، تقوم هذه النسخ بتغيير هوية الأجيال إلى أن أصبح المسلم في بلاده المسلمة يشعر بالحرج إنْ تحدث عن التزامه بالصلاة مثلا فيضطر إلى أن يغمسها في سياق آخر كالروحانيات؛ وإلى أن أصبح المجتمع يقيس مدى تحضر أبنائه بإتقان اللغة الإنجليزية وينسب من يتعامل باللغة العربية الخالصة للبيئات المتدنية.
بسبب منظومة التعليم الدخيلة نشأت شريحة معتبرة من الأجيال الحديثة الممزقة بين بيئتها الأصيلة وبين نمط الحياة الحديثة المطلوب، تشوشت في أذهانهم المقاييس في ظل طمس أساسيات دينهم وعاداتهم وتقاليدهم.
بمرور الوقت تأصلت «عقدة الخواجة» كمشكلة نفسية تعكس شعورا لدى المسلم بالنقص والضحالة والدونية والعجز وأصبح النمط الأوروبي هو المعيار الوحيد للتحضر والجودة.
صنف الغرب الرأسمالي المجتمعات والدول إلى متحضرين أثرياء مسيطرين، ومتخلفين فقراء مقهورين، وبالطبع هرولت النفوس نحو منعة الصنف الأول، وبذلت كل قرش لتتخلص من وهن الانتماء للثاني حتى لو باقتناء أي سلعة تشير كذبا إلى انفصالهم عنه.
بالتدريج، استطاع الغرب تزييف إدراك الشعوب المسلمة وباع لهم بضاعته الفكرية التي مهدت لقبولهم وإقبالهم على بضاعته المادية ذات الأسعار الخيالية، وأقنعهم بحاجتهم الماسة إليها، وبأنهم بها سيتخلصون من عار انتمائهم لطراز أهل بلادهم النامية المتخلفة الرجعية.
تتنوع السلع المباعة للمستهلك المسلم ما بين نمط مجتمعات سكنية، ونظم تعليمية تجر خلفها كل متعلقاتها، فنوع السيارة والهاتف المحمول وأثاث المنزل والعلامات التجارية للثياب والأحذية تكمل الشكل المرجو لساكن سلعة العقار، والمظهر والمقتنيات والأدوات كلها تصنع قيمة طالب المدرسة والجامعة.
بعد أن يشترى المسلم الوهم يغير من صفاته، وحركات جسده، وطريقة مشيته، ونظرة عينيه، وردود أفعاله، وطريقة نطقه، وحتى نبرة صوته ليكون مناسبا لمجتمع النخبة المأمول.
تاجر الغرب بانهيار وعي الشعوب المسلمة وحقق مكاسب مهولة ببيعها أعياده وتقاليدها وهداياها، وزين لها أزياءه، وبدل مسمياتها فحول «الآداب» لـ«إتيكيت»، و«السخرية» لـ «تنمر»، واعتمد مقاييس جمال المرأة، وتحكم في ذوق الرجل في مظهر من يحب، ولتاريخه الحقير في التعامل مع الأنثى لم يروج الغربي إلا للحط من قيمتها، حتى صدق في المسلمين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «لتتَّبعنَّ سَننَ من كانَ قبلَكم حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ حتَّى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتُموه».
فرض الغرب منظورا أحاديا للدين، وعمم رسما لخرائط العالم، وحجم القارات، وحدود المحيطات، وقياسات الزمن، ومسلمات السياسة؛ واحتكر العلم، والمال، والدواء، ومحا بمصطلحات مغلوطة مبادئ الفطرة البشرية.
قام النظام الرأسمالي الغربي المتغلب بإعادة برمجة العقل المسلم، وحبسه داخل قمقم من الأفكار المجمدة والنظريات المعلبة والحقائق الواهية، وجرده من ثقته بإمكانياته ومن حريته في الرفض، واستبق تمرده بصنع وحش أطلق عليه اسم «نظرية المؤامرة»، بحيث إذا ما حاول العقل المسلم الإفلات انقض عليه وقيده بسلاسل الاتهام بالجنون.
للغرب الرأسمالي فقط الحرية في طرح النظريات ثم التراجع عنها؛ فيحق له أن يأمر العالم بالإغلاق لانتشار كورونا، ويقرر هو فقط أن يختفي هذا التشخيص من الوجود؛ ينشر في عام أن لبن الأم غير كاف لتغذية الرضيع ثم يعلن بعدها أنه هو الأفضل لمناعة الطفل؛ يمكن أن يسمح بالنقاش حول نظرية داروين وخلق الانسان لكنه لا يقبل أن يشكك أحد في قصة صعوده الفضاء.
يدور المسلمون منذ نهاية عصر العلم الإسلامي في دائرة مفرغة ليس لأنهم لا يملكون قوة أو إمكانيات أو علم، بل لأنهم لا يملكون عقيدة ولا إيمانا قويا يمنحهم شخصية، وهدفا، وشغفا، وطاقة متجددة للحياة، أصبحوا معتمدين كليا على حلول الغرب والشرق.
تغربت الشعوب الإسلامية وانفصلت عن ماضيها وصارت تخاف من الموت، وتجزع عند الفقد، وتلهث خلف لقمة العيش، وتصوم رمضان بمعجزة، وتخرج الزكاة وهي كارهة، وتفعل الخير رياء، وتقطع الرحم طغيانا، وتصاب بصدمات نفسية من كل شيء.
إن الدعوة للعودة لدار الإسلام ليست حديثا روحانيا في قاعة سياسة أو ميدان معركة، فالإنسان هو الأداة الفاعلة في السلم والحرب، وإن لم يكن الانسان متكامل البنية الفكرية والشعورية فإنه لن يكتشف طريق الخروج من دوامته أبدا.
يمثل البناء الإسلامي ساحة تدريب للنفس وترميم للجسد وتكوين للفكر واتمام للرشد.
إن تبلور شخصية الإنسان المسلم، ومعرفته قيمة خلقه، وادراكه ذاته، وحجم إمكانياته، وتحديد أهدافه، وتربية إرادته، وتبصيره بحقيقته، وتمكينه من أدواته، وامتلاكه شجاعة التخلي، ومهارة الوضوح، وجرأة تحمل النتائج، والصبر على الهزيمة والعزيمة على النصر، كل هذه الأمور هي مفاتيح عالم مختلف ينتمي فيه المسلم لطين تاريخه الذي غفل عنه وحفظه عدوه.
تحمل النتائج، والصبر على الهزيمة والعزيمة على النصر، كل هذه الأمور هي مفاتيح عالم مختلف ينتمي فيه المسلم لطين تاريخه الذي غفل عنه وحفظه عدوه.


