“إن المسألة الكردية متعلقة بالظاهرة الاستعمارية ومنشأها استعماري وليس متعلقة بالنعرة القومية أو الاستعمار الهوياتي”
لا يمكن مقاربة “المسألة الكردية” مقاربة صحيحة دون إدراجها ضمن السياق التاريخي لتشكل النظام الدولي الحديث، أي ضمن لحظة التفكيك الاستعماري للعالم الإسلامي وإعادة هندسته جغرافيًا وديمغرافيًا ووظيفيًا. فالقضية الكردية في أصلها ليست تعبيرًا عن مظلومية عرقية داخل بنية الأمة، بل هي نتاج مباشر لسياسات التقسيم الإمبراطوري التي استهدفت تفكيك الكتل البشرية المقاتلة ذات الكثافة السكانية المتوسطة أو المحدودة، خشية تحوّلها إلى قوى إقليمية فاعلة.
في هذا الإطار، يندرج الأكراد ضمن نمط عام شمل عددًا من الأمم الإسلامية المقاتلة التي تعرضت لثلاثة أنماط متراكبة من التفكيك:
أولاً: تقسيم الشعوب (Demographic Fragmentation)
وهو أخطر أنماط التقسيم، إذ يستهدف كسر الكتلة البشرية الواحدة عبر توزيعها القسري على عدة كيانات سياسية، بما يمنع تشكل مركز ثقل ديمغرافي-عسكري مستقل. وقد شمل هذا النمط:
الأكراد بتفكيكهم بين خمس دول.
البشتون بين أفغانستان وباكستان.
الطاجيك بين عدة جمهوريات في آسيا الوسطى.
التركمان فيما وراء النهر بين ست دول.
مسلمي القوقاز بين روسيا وجورجيا وأذربيجان.
البوشناق والألبان والسلاجقة في البلقان.
البربر في شمال إفريقيا.
الصوماليين بين أربع دول.
الأورومو بين إثيوبيا وكينيا وإريتريا والصومال وجيبوتي.
هذا النمط استهدف بصورة منهجية تفكيك الشعوب المقاتلة ذات القابلية التعبوية العالية، بغضّ النظر عن انتمائها العرقي، ضمن منطق استباقي لمنع نشوء قوى إقليمية صلبة.
ثانياً: تقسيم الحدود (Geopolitical Partitioning)
وهو إعادة رسم الخرائط بما يجزّئ الفضاءات الحضارية الواحدة إلى كيانات سياسية متعددة، كما في:
تفكيك شبه القارة الإسلامية إلى عدة دول.
تقسيم العالم العربي إلى أكثر من عشرين دولة.
فصل الامتداد التركي إلى تركيا وأذربيجان.
تشطير القرن الإفريقي، والساحل الإفريقي، وغيرها من الأقاليم الحيوية.
ثالثاً: تقسيم النفوذ (Spheres of Influence)
وهو إخضاع الكيانات الناتجة لدوائر سيطرة متعارضة (شرقية/غربية)، بما يمنع تشكّل إرادة استراتيجية مستقلة، ويحوّل الدول إلى وحدات وظيفية داخل منظومة الهيمنة الدولية.
من خلال هذا الإطار، يتضح أن المسألة الكردية ليست استثناءً، بل نموذجًا دالاً على آلية تفكيك شاملة استهدفت بنية الأمة الإسلامية في بعدها البشري والجغرافي والسيادي. وعليه، فإن مقاربة الحل لا يمكن أن تُختزل في معالجات قومية أو انفصالية، لأنها تعيد إنتاج منطق التفكيك ذاته، وتفتح المجال أمام إعادة تدوير الظاهرة الاستعمارية بأدوات جديدة.
المدخل الاستراتيجي للحل يتمثل في استعادة الإطار الجامع: إطار الأمة الإسلامية كوحدة حضارية-سياسية عليا، تكون فيه الهويات القومية والثقافية مكونات داخل بنية سيادية واحدة، لا مشاريع سيادية متنازعة. فتمكين الفكرة الإسلامية الحاكمة – باعتبارها مرجعية سيادية فوق-قومية – هو وحده الكفيل بإذابة الانقسامات التي صنعها الاستعمار، وإعادة دمج الكتل البشرية الممزقة ضمن منظومة استراتيجية موحدة قادرة على استعادة الفعل التاريخي والاستقلال الحضاري.







