في تحول لافت في الخطاب حول الأزمة الليبية، دعا جنرال أميركي متقاعد ومسؤول أمني سابق إلى إعادة النظر في مقاربة الولايات المتحدة تجاه ليبيا، معتبراً إياها ليست مجرد قضية إنسانية أو معضلة دبلوماسية، بل “اختياراً استراتيجياً” حاسماً لمستقبل النفوذ الأميركي في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
الجنرال جيمس إل. جونز، الذي شغل منصب قائد القيادة الأوروبية الأميركية ومستشار الأمن القومي الأسبق، حذر في مقال تحليلي من أن استمرار الانسحاب الأميركي الفاعل من الملف الليبي سيفسح المجال أمام قوى أخرى لتحديد ملامح مستقبل هذه الدولة الغنية بطاقتها وموقعها الجيوسياسي. وجاءت هذه الرؤية بالتزامن مع استمرار حالة الجمود السياسي والانقسام الأمني في ليبيا، والتي تعمقت أكثر بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي مطلع فبراير 2026 وتصاعد احتجاجات المواطنين على تردي الأوضاع المعيشية.
“التشرذم الأمني”.. عقدة ليبيا المستعصية على الحلول السياسية
يرى جونز أن الفشل الدولي المتكرر في حل الأزمة الليبية يعود إلى سبب جوهري يتم تجاهله باستمرار: محاولة بناء عملية سياسية في غياب أي بنية أمنية وطنية موحدة وذات مصداقية. ويؤكد أن “الدولة تبدأ بالأمن”، فبدون سيطرة إقليمية واضحة، وسلسلة قيادة متماسكة، وقوات مسلحة منضبطة، تبقى الانتخابات مجرد “تطلعات” بعيدة المنال.
ويشير تحليل الجنرال الأميركي إلى أن الانقسام الليبي لم يستمر بسبب نقص المؤتمرات الدولية أو البيانات الختامية، بل بسبب انقسام البلاد الفعلي بين “هياكل مسلحة متنافسة تفتقر إلى قيادة وطنية موحدة”. ويأتي هذا التحليل في وقت تشهد فيه العاصمة طرابلس اشتباكات بين هذه الهياكل، بينما يعاني المواطن من انهيار الخدمات وتضاعف الأسعار في شهر رمضان.
شرق منظم وغرب مفكك: قراءة في واقع القوى على الأرض
في قراءة للواقع الميداني، يلفت جونز الانتباه إلى التباين الكبير في السيطرة على الأرض، مشيراً إلى أن “القيادة العامة” في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر قد “رسخت سيطرة إقليمية وتماسكاً داخلياً يتناقض بشكل حاد مع التشرذم الذي تشهده مناطق أخرى من البلاد”.
ويوضح أن الإقرار بهذا الواقع لا يعني تأييد كل الإجراءات السابقة أو تجاهل التعقيدات السياسية، لكنه يؤكد أن أي “استراتيجية فعّالة لا بد أن تبدأ بالواقع على الأرض”. ويضيف محذراً: “إذا اختارت الولايات المتحدة عدم الانخراط مع الجهات الفاعلة التي تمارس سيطرة حقيقية، فسيفعل ذلك غيرها”، في إشارة إلى تنامي النفوذ الروسي والتركي في البلاد.
أربع مصالح أميركية على المحك
ويحدد المسؤول الأمني السابق أربع مصالح استراتيجية كبرى تفرض على واشنطن إعادة الانخراط في الملف الليبي:
-
مكافحة الإرهاب: حيث تشكل “المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة” أرضاً خصبة لعودة الشبكات المتطرفة، خاصة في ظل غياب مؤسسات أمنية وطنية راسخة.
-
استقرار التحالف الأطلسي: إذ يتحمل الحلفاء الأوروبيون العبء الأكبر لتدفقات الهجرة غير الشرعية المنطلقة من السواحل الليبية، مما يغذي عدم الاستقرار السياسي داخل هذه الديمقراطيات.
-
أمن الطاقة: تمتلك ليبيا موارد هيدروكربونية كبيرة، وأي انقطاع في إنتاجها الموثوق بسبب عدم الاستقرار يؤثر على السوق العالمية ويثني عن الاستثمار طويل الأجل.
-
التنافس الجيوسياسي: يؤكد جونز أن “الوصول العسكري، ومرافق الموانئ، والنفوذ السياسي في شمال أفريقيا لها تداعيات تتجاوز حدود ليبيا بكثير”، خاصة في سباق التنافس مع القوى الكبرى.
قيادة حكيمة بدلاً من التدخل الواسع
لا يدعو جونز إلى تدخل عسكري أميركي واسع النطاق، بل إلى ما يصفه بـ”القيادة الحكيمة”. ويوصي الإدارة الأميركية الحالية (إدارة ترامب) باتخاذ خطوات عملية ومحددة، على رأسها تعيين مبعوث رفيع المستوى مخول بتنسيق السياسات بين الوكالات الأميركية والتعاون مع الحلفاء الأوروبيين.
كما يدعو إلى تحويل الدبلوماسية الأميركية نحو دمج القطاع الأمني كشرط أساسي لأي مصالحة سياسية. وهذا يتطلب، بحسب رؤيته، انخراطاً مدروساً مع الهياكل الأمنية في شرق ليبيا وغربها لتشجيع توحيدها التدريجي تحت سلطة مدنية موحدة. ويشدد على أن هذا الانخراط يجب أن يكون “مشروطاً وهادفاً”، بحيث يربط الدعم بخطوات ملموسة نحو التكامل الوطني واحترام معايير الحكم.
الإهمال الاستراتيجي… ترف لا يمكن تحمله
ويختتم الجنرال المتقاعد تحليله بتحذير صريح من مغبة استمرار سياسة “الإهمال الاستراتيجي”، معتبراً أن التاريخ يثبت أن هذا النهج “غالباً ما يكون أكثر تكلفة من الانخراط المنضبط”. ويشدد على أن ما ينقص الولايات المتحدة ليس القدرة، بل “الأولوية المستدامة”.
فمستقبل ليبيا، برأيه، لن يستقر بالخطابات وحدها، ولن يُبنى بتجاهل من يسيطرون على الأرض والسلاح. ويتطلب السلام الدائم دمج الهياكل الأمنية في إطار وطني موحد. وأمام هذا المشهد، يبقى الخيار لواشنطن: “إما المساهمة في تشكيل مسار ليبيا نحو الدولة الموحدة، أو الاكتفاء بدور المراقب البعيد بينما يحدد الآخرون النتيجة”.







