منذ يومين فقط مرّ خبر خطير مرور الكرام، كأنّه لا يعني أحدًا، رغم أنّه يحمل في طيّاته دلالات سياسية وأمنية عميقة.
فقد مُنع الوفد السوري، الذي كان من المقرّر أن يزور سجن رومية المركزي في لبنان، من الدخول بشكلٍ مفاجئ، رغم أنّ الزيارة كانت مدرجة رسميًّا على جدول أعماله.
كان هدف الوفد لقاء عدد من المعتقلين السوريين والاطلاع على أوضاعهم الإنسانية والمعيشية والصحية، لكن السلطات اللبنانية برّرت المنع بـ«أسباب أمنية»، وهي حجّة يدرك اللبنانيون قبل غيرهم أنّها ستار يخفي ما لا يُراد كشفه.
اللبنانيون يعرفون تمامًا ما يجري داخل سجن رومية من انتهاكات وتعذيب وملفّات سوداء، ولا مصلحة للمنظومة اللبنانية في أن يرى الوفد السوري بأمّ عينه تلك الحقائق، لأنّ مجرّد اطلاعه عليها يعني فتح أبواب مساءلة وفضائح لا يريد أحد في السلطة أن تُفتح
تناقضات في الموقف اللبناني
المفارقة أنّ لبنان كان، قبل سنوات قليلة، على وشك تسليم عدد من المعتقلين السوريين إلى دمشق بحجّة «استكمال محكوميّاتهم» هناك. غير أنّ هذا الخيار أُلغي فجأة بعد سقوط نظام بشار الأسد وتبدّل موازين القوى في المنطقة، حيث تولّت حكومة الرئيس أحمد الشرع إدارة سوريا الجديدة برؤية وطنية تسعى إلى الاستقرار، وإلى بناء علاقات قائمة على الندية والاحترام المتبادل مع دول الجوار.
السبب الحقيقي واضح: لبنان لا يتحرّك وفق مصالحه الوطنية، بل وفق توازنات المحاور التي تحكمه منذ عقود.
فلبنان اليوم ليس دولة مستقلة كما يُروَّج، بل كيان مرتهن لمنظومة سياسية وأمنية مرتبطة عضويًا بحزب الله، الذراع الإيرانية في المنطقة.
ولذلك، فإنّ من يتوقّع من «دويلة لبنان» أن تستجيب لطلبات دمشق بالإفراج عن المعتقلين السوريين المظلومين في رومية، أو أن تُفرج عن الشيخ أحمد الأسير، يعيش خارج الواقع تمامًا.
لماذا؟
1- لأنّ نفوذ حزب الله ما زال متغلغلاً في العقلية الأمنية والسياسية اللبنانية، وإن تغيّر شكله ولونه.
2- لأنّ لبنان لا يزال خاضعًا لهيمنة الحزب الذي يرى في سوريا ساحة نفوذ ينبغي السيطرة عليها بأي ثمن، وما زال يراهن على فشل حكومة الرئيس الشرع، وإجهاض التجربة الجديدة التي أنهت مرحلة الطغيان.
3- ولأنّ لبنان تحوّل إلى ساحة لتحالف الأقليات ضدّ الأكثرية السنية في المنطقة، منذ أن استعادت سوريا عافيتها وعادت إلى وضعها الطبيعي دولةً عربيةً ذات سيادة تمثل إرادة شعبها.


