أحدثت المقاربات الدبلوماسية المتسارعة بين واشنطن وطهران انقلاباً جذرياً في بيئة الاستثمار الدولية، مخلّفة تحولاً دراماتيكياً في مزاج الأسواق العالمية التي سارعت إلى إسقاط علاوة المخاطر وتثمين احتمالات التهدئة الإقليمية.
وجاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب القاطعة بأن معاهدة السلام التاريخية باتت قابلة للتوقيع خلال أيام، لتشعل موجة تفاؤل عارمة أكد معها وصول قطار التفاوض إلى قمة الهرم السيادي الإيراني بدعم إقليمي واسع.
ورغم الحذر التقليدي الذي أبدته طهران بعدم اتخاذ القرار النهائي بعد، إلا أن الأسواق فضلت تسعير سيناريو الاستقرار؛ لتهبط أسعار خام برنت بنسبة تقترب من أربعة بالمئة وتستقر عند ستة وثمانين دولاراً وسبعة وخمسين سنتاً للبرميل، ويلحق به خام غرب تكساس ليتراجع إلى ثلاثة وثمانين دولاراً وواحد وتسعين سنتاً.
وسجلا بذلك أدنى مستويات يختبرها النفط العالمي منذ منتصف أبريل الماضي بفعل رهانات الانفراجة الوشيكة في مضيق هرمز.
وول ستريت وأسواق آسيا تستقبل عهد الانفراجة
أطلقت الهدنة المفترضة طاقات ثيران الأسهم في البورصات العالمية، حيث حلّق مؤشر “إم إس سي آي” لآسيا والمحيط الهادئ محققاً مكاسب قاربت أربعة بالمئة، مدفوعاً بطفرة تاريخية لمؤشر كوسبي الكوري الجنوبي تجاوزت سبعة بالمئة، تلاه نيكاي الياباني بقفزة ناهزت أربعة بالمئة، مع صعود متزن للمؤشرات الصينية ومؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ.
وامتدت هذه موجة التفاؤلية بقوة إلى وول ستريت التي سجلت أفضل أداء يومي لها منذ التفاهمات المؤقتة الأخيرة، مدعومة بالزخم العنيف للطرح الأولي التاريخي لشركة “سبيس إكس” في بورصة ناسداك، والذي نجح في جمع خمسة وسبعين مليار دولار واضعاً القيمة السوقية للشركة عند تريليون وسبعمائة وسبعين مليار دولار.
انقلاب في بوصلة النقد وتوقعات الفائدة الفيدرالية
أعادت الانهيارات المتتالية في أسعار الطاقة صياغة التوقعات المستقبلية للسياسة النقدية الأمريكية بشكل كامل، حيث تراجعت الرهانات على لجوء مجلس الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة في الخريف المقبل إلى نحو ستة وثمانين بالمئة.
وترجمت سوق الدين هذا التحول الإستراتيجي، إذ استقر العائد على سندات الخزانة لأجل عامين حول مستويات أربعة بالمئة بعد تراجع ملموس في الجلسة السابقة، بينما هبط عائد السندات العقدية بنحو ثماني نقاط أساس، في وقت اتخذ فيه البنك المركزي الأوروبي خطوة مغايرة برفع الفائدة للمرة الأولى منذ سنوات كحائط صد ضد الضغوط التضخمية التراكمية.
الورقة الخضراء تناور بين الشك والتفاؤل اللحظي
تحت سقف هذا الترقب، نجح الدولار الأمريكي في استعادة جزء من بريقه المفقود أمام الين الياباني مسجلاً ارتفاعاً طفيفاً، فيما استقر مؤشر الدولار العام أمام سلة العملات الست الكبرى حول سبع وتسعين نقطة.
ويعد ذلك إشارة صريحة إلى أن مجتمع المال لا يزال يحتفظ بهامش مناورة ضيق تحسباً لأي انتكاسة دبلوماسية في الأمتار الأخيرة، خصوصاً مع بقاء بنود الاتفاق قريبة من صياغة النهاية دون أن تتجاوز خط الحسم القانوني والملزم للطرفين بعد.
لغز التضخم تحت مجهر المستثمرين
على الصعيد الهيكلي، أظهرت قراءات أسعار المنتجين السنوية زيادة قوية متأثرة بتبعات الأشهر الماضية، إلا أن الأسواق فضلت التركيز على الجانب المضيء المتمثل في تباطؤ المؤشر الأساسي لأسعار المنتجين دون التوقعات، مما ساهم في لجم مخاوف التضخم الطويل.
وتؤكد هذه التحركات العنيفة أن الملف الامريكى الإيراني غدا عصب الاقتصاد العالمي الراهن، حيث يترقب الجميع ما إذا كانت هذه الانفراجة الدبلوماسية ستؤسس لسلام مستدام يعيد هيكلة خطوط الإمداد، أم أنها مجرد استراحة محارب مؤقتة في صراع لم تنتهِ فصوله بعد.
مستقبل النظام المالي
وفقا لخبراء فى الاقتصاد، تثبت الارتدادات العنيفة لشاشات التداول أن الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل كلفة الحروب المفتوحة، وأن مجرد التلويح بإنهاء بؤر النزاع الإستراتيجية كفيل بإعادة صياغة تدفقات رؤوس الأموال وحماية شبكات الإمداد الدولية من حافة الانهيار.
ومع ذلك، فإن هذه القفزات التفاؤلية الملحوظة في البورصات ستظل رهينة الصياغات القانونية النهائية؛ إذ تدرك الصناديق السيادية والمستثمرون الكبار أن المسافة الفاصلة بين النوايا السياسية والتوقيعات الملزمة مليئة بالألغام الفنية.
ويجعل ذلك الأسواق تعيش حالة من “الترقب الحذر” الذي يتأرجح بين الرغبة في سلام إستراتيجي دائم، والخوف من انتكاسة مفاجئة قد تعيد علاوات المخاطر إلى مستويات غير مسبوقة.


