المحاورة: ريم نجمي
الضيوف:
– الدكتور عامر السبايلة (محلل سياسي وخبير استراتيجي) من عمّان.
– السيد محمد مجادلة (كاتب صحفي ومحلل سياسي) من الناصرة.
أولاً: من السرية إلى العلن.. دوافع التغيير في التعامل مع الزيارة
المحاورة: زيارة سرية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإمارات لم تعد سرية، تلتها تحركات واتصالات تجري بعيداً عن الأضواء. لماذا هذه السرية كلها، وماذا تحضر إسرائيل والإمارات للمنطقة؟ نتنياهو لم يصل إلى أبوظبي وحده، بل اصطحب معه كبار المسؤولين الأمنيين. بعدها مباشرة، وصل وزير الخارجية التركي إلى أبوظبي والتقى بكبار المسؤولين الإماراتيين، فيما يتواجد نائب رئيس الإمارات في الرياض ضمن زيارة وُصفت بأنها أخوية. فهل نحن أمام اتصالات متفرقة فرضتها أزمات المنطقة، أم أن شيئاً أكبر يُحاك في الخفاء؟
لمناقشة هذا الموضوع، أرحب بضيفي من عمّان الدكتور عامر السبايلة، ومن الناصرة السيد محمد مجادلة. أبدأ معك أولاً أستاذ محمد؛ زيارة سرية لنتنياهو لم تعد سرية، وهناك تسريبات كثيرة تتعلق بملفات حساسة، ما صدى هذا التحول من السرية إلى العلنية لدى الرأي العام الإسرائيلي؟
محمد مجادلة: أولاً، لا بد من التذكير بالواقعة الأولى التي سبقت هذه الزيارة لكي نفهم لماذا تصرف نتنياهو، على الأقل هذه المرة، بهذه الطريقة. ففي خضم الحرب مع إيران، أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو زار الإمارات والتقى بمسؤولين إماراتيين، وعلى رأسهم الرئيس الإماراتي محمد بن زايد. وفي حينها، أصدرت الإمارات بياناً نفت فيه هذه الزيارة ونفت وجوده، على الرغم من تأكيد مكتب نتنياهو لذلك.
ما رأيناه هذه المرة هو تفادٍ من قبل نتنياهو وطاقمه لحدوث ذات الموقف المحرج للطرفين؛ ألا وهو الإعلان الرسمي الإسرائيلي عن الزيارة يليه النفي الرسمي الإماراتي. لذا، ما حدث فعلياً هو تسريب هذه المعلومات لصحفيين في إسرائيل ونشرها، ثم جاء التأكيد الإماراتي، وفقط بعد ذلك جاء التأكيد الرسمي من نتنياهو. بل إن نتنياهو، في محاولة للتظاهر بأن الزيارة لا تزال سرية والحفاظ على هذا الوهم، قدم شكوى عبر رئيس “الشاباك” دافيد زيرني إلى الرقابة العسكرية الإسرائيلية التي سمحت بالنشر، متذرعاً بوجهة نظر “الموساد” بأن هذه المعلومات تضر بأمن إسرائيل ولا يجب أن تُنشر لا بهذا التوقيت ولا بهذه الطريقة.
المحاورة: تستخدم كلمة “تظاهر” يا سيد مجادلة، بمعنى أن الأمر كان مخططاً له أن يكون بهذا الشكل؟
محمد مجادلة: طبعاً، بدون أدنى شك. هذه الزيارة بهذا التوقيت لنتنياهو، ويمكن الاستدلال على ذلك من تعقيبات محيطه وأبواقه في الإعلام الإسرائيلي، حيث يُصوَّرون هذه الزيارة على أنها انتصار كبير جداً في اللحظة التي تعيش فيها إسرائيل عزلة دولية، وأن يلتقي مع رئيس دولة الإمارات في خضم الحرب مع إيران يُعد انتصاراً. نتنياهو يحاول تصويرها كزيارة استراتيجية وهامة، وحتى في بيانه الرسمي، شدد على أن الزيارة جاءت بدعوة من الشيخ محمد بن زايد، ليثبت أنه لم يلقِ بنفسه أو يصر على الزيارة، بل إن الإمارات هي من دعته. كما أنه اصطحب معه مسؤولين عسكريين، ورافقته زوجته سارة نتنياهو في هذه الزيارة.
ثانياً: الثقل الأمني للوفد.. رسالة سياسية أم ضرورة استخباراتية؟
المحاورة: لماذا احتاجت هذه الزيارة إلى كل هذا الثقل الأمني؟ هل هذا ضمن الظهور بمظهر المنتصر، أم أن هناك دواعي عسكرية وأمنية لهذا الثقل ولاصطحابه رئيس “الموساد” ورئيس مجلس الأمن القومي وسكرتيره أيضاً؟
محمد مجادلة: بدون شك، وجود السكرتير العسكري ورئيس “الموساد” ورئيس مجلس الأمن القومي، بالإضافة إلى المستشار للشؤون السياسية الخارجية، يعكس رغبة في إظهار أن هذه زيارة رسمية وليست عابرة أو اعتيادية. من جانب آخر، لا يمكن إنكار أن الزيارة تأتي في توقيت حساس في ظل استمرار الحرب (وإن كانت بوتيرة منخفضة) مع إيران، وفي ظل التهديدات الأمنية والاستراتيجية التي تعيشها الإمارات وإسرائيل في الشرق الأوسط، وضرورة تعزيز العلاقات الاستراتيجية بينهما.
هناك تقارير إسرائيلية تشير إلى أن إسرائيل زودت الإمارات بمنظومات عسكرية مختلفة، من بينها منظومة “القبة الحديدية” ودفاعات جوية أخرى، مما يعطي أهمية موضوعية لمرافقة هذا الوفد. لكن الهدف الأساس، وفقاً لوسائل الإعلام الإسرائيلية، يأتي في اتجاهين: الأول، أن نتنياهو يريد أن يظهر، بعد كل التقارير عن تلقيه تحذيرات إماراتية قبل السابع من أكتوبر ولم يستجب لها، أن العلاقات ما زالت جيدة. والثاني، أن نتنياهو طالب، وفق عدة مصادر، محمد بن زايد بأن ينفي التقرير الذي نشرته بدايةً صحيفة “هآرتس” ثم وسائل إعلام أخرى.
ثالثاً: الموقف الإماراتي وإشكالية “تحذير السابع من أكتوبر”
المحاورة: سنفصل في هذه النقطة لأنها هدف مهم في هذه الزيارة. أجدد الترحاب بك دكتور السبايلة؛ الإمارات أكدت الزيارة بعد أن بقيت في البداية خارج العلن، ما الذي دفع أبوظبي إلى إبقاء الزيارة سرية أولاً ثم تأكيدها لاحقاً؟
د. عامر السبايلة: الزيارة عادة ما تأخذ طابع السرية، لكن المهم هو الإعلان عنها رسمياً لاحقاً وعدم إبقائها في دائرة التسريبات فقط. من الواضح أن الصحفيين يرصدون اليوم مواقع مثل “فلايت رادار” ويرون الطائرات المتجهة من إسرائيل إلى أبوظبي، وهي مصادر مفتوحة لا تحتاج لكثير من التحقيقات.
الفكرة الأساسية هي أن هذه الزيارة تحمل معطيات مهمة لنتنياهو: أولاً، لإثبات أن العلاقة الرئاسية مع الإمارات قوية وما زالت قائمة، وأن ما قيل سابقاً لا قيمة له. ثانياً، هو معني بإظهار أن التقرير الذي ذكر أن الإمارات نبهته قبل السابع من أكتوبر غير صحيح، وأن هناك طرفاً قد يكون داخل الإمارات له مصلحة في هذا التقرير.
لكن إذا وضعنا هذا جانباً ونظرنا إلى التوقيت، فنتنياهو يقبل على انتخابات والجبهات مفتوحة، خاصة جبهتي اليمن والعراق، حيث تشكل الميليشيات والحوثيون تهديداً مباشراً للخليج. لذا، قد يكون لدى نتنياهو ما يقدمه للسعوديين ودول الخليج بشكل عام، ليضع نفسه مجدداً كحجر زاوية في البعد الاستخباري بالمنطقة، خاصة أن إسرائيل قد تحاول تحقيق إنجازات على الجبهات (لبنان، إيران، اليمن، العراق) لتوظيفها سياسياً في الانتخابات. التهديدات واسعة، والسعودية قد تحتاج إلى تطورات في البعد الاستخباري والعسكري، مما يجعل توقيت الزيارة مهماً بسبب تداعيات الجبهة المحاذية للخليج.
المحاورة: أستاذ مجادلة، تحدثنا عن طلب نتنياهو من محمد بن زايد نفي أن الإمارات حذرته قبل السابع من أكتوبر، هل الإعلان عن هذا الأمر تحديداً حطم الهدف الذي كان يرمي إليه؟
محمد مجادلة: لا، باعتقادي أن نتنياهو سيظل يبحث عن هذا الهدف بشتى السبل لإزالة تهمة الإخفاق في هجمات السابع من أكتوبر عن كاهله. حتى الآن، وبعد مرور ثلاث سنوات على بداية الحرب، لم يتحمل المسؤولية أو يعترف بإخفاقاته في أي مقابلة، بل ما زال يحمل المسؤولية للجيش و”الشاباك”. لذا، أي نفي إماراتي سيساعده.
اللافت أنه على الرغم من كل المحاولات، لم تنفِ الإمارات بشكل رسمي وصول هذا التحذير. بل إن وسائل إعلام إسرائيلية نشرت أن محمد بن زايد تحدث لمسؤولين في المنطقة والعالم، بمن فيهم مدير “سي آي إيه” السابق، بأنه حذر نتنياهو قبيل الهجمات. كما أن هناك مصادر فلسطينية أكدت ذلك، والصحفي الذي نشر التحقيق في “هآرتس” هو شلومو الدار، وهو صحفي يتمتع بمصداقية عالية وموضوعية مشهود لها عالمياً. لذا، يصعب على نتنياهو نفي هذه التهمة، وسيظل يحاول إقناع الإمارات بالنفي حتى لو لم تكن هناك استجابة، فمن يعرف نتنياهو يعرف إصراره وعزمه على الوصول لما يريده حتى لو لم تكن الوسائل شرعية تماماً.
المحاورة: دكتور السبايلة، هل من الممكن أن تستجيب الإمارات إلى طلب نتنياهو بالنظر إلى التوقيت والظروف؟
د. عامر السبايلة: هذا ممكن فقط إذا استطاع تقديم شيء أكبر، مثل معلومات استخبارية عن تهديدات باستهداف مباشر، أو دور يمكن أن يقوم به مستقبلاً في ظل التصعيد المتوقع من اليمن أو العراق أو إيران. لكني أعتقد أنه يريد إضعاف هذه المعلومة بظهوره بهذا الزخم الأمني والتوقيت وإعلان الزيارة، مما يشير إلى أنه يتحايل على الموضوع ويسقط قيمته، مدعياً أنه في مرحلة تنسيق استخباري كبير. هو يسير بمسارين: إما رفع قيمة التعامل مع الخليج عبر البعد الاستخباري، أو إفقاد معلومة “التحذير السابق” قيمتها من خلال إظهار أن له دوراً أكبر حالياً واعترافاً رسمياً بدولته، مما يجعل المعلومة السابقة تبدو أقل أهمية.
رابعاً: آفاق التحالف الأمني الإقليمي ومواجهة التهديدات
المحاورة: سيد مجادلة، المحادثات بحسب التقارير ركزت على إيران ووكلائها في المنطقة، وعلى رأسهم الحوثيون؛ هل إسرائيل والإمارات بصدد بناء تحالف أمني إقليمي جديد يحضر لتحرك ما في المنطقة؟
محمد مجادلة: كل شيء وارد في هذا الجانب، وقد رأينا محاولات سابقة لبناء تحالفات أو تنسيقات عسكرية. لكن السؤال الجوهري: ماذا جنى حلفاء إسرائيل عسكرياً في حروبهم السابقة؟ وماذا جنى من تحالف مع نتنياهو؟ حتى ترامب، رئيس القوة العظمى، دخل في مغامرة الحرب مع إيران بدفع من نتنياهو، بناءً على سيناريوهات عرضها رئيس “الموساد” السابق حول إشراك الأكراد والأذريين والبلوشيين لإسقاط النظام الإيراني، ثم فوجئ ترامب بأن شيئاً من ذلك لم يتنفذ، وإيران ما زالت صامدة.
لذلك، يجب التساؤل: ما الذي يجدي من التحالف مع إسرائيل؟ كما يجب النظر إلى أن أي تحالف يُعقد قبل أقل من شهر من الانتخابات الإسرائيلية ليس استراتيجياً بحق. هل هناك ضامن لأي دولة تتحالف عسكرياً مع إسرائيل أن نتنياهو سيبقى في السلطة؟ وإذا جاء “آيزنكوت” أو غيره، هل يمكن أن ينكروا أن دولة ما قدمت هذا المعروف لنتنياهو لرفع أسهمه قبيل الحرب؟
الإمارات لديها رؤية استراتيجية وتتحرك بحكمة، ولا أعتقد أنها ستراهن على تحالف من هذا النوع وهي ترى وضعية نتنياهو السياسية وهشاشة تحالفاته السابقة. كما أن نتنياهو لم يعد متوقعاً في عيون الكثيرين، ودليل ذلك قصفه للعاصمة القطرية الدوحة بينما كانت وسيطة لإنهاء الحرب في غزة، مما يجعل الجميع في الخليج والشرق الأوسط ينظر بحذر شديد إلى عهود نتنياهو وتحالفاته.
خامساً: تقارير عن مشاركة إقليمية أوسع.. حقيقة أم مبالغة؟
المحاورة: من هنا السؤال لدكتور السبايلة؛ ما وجه استفادة الإمارات في هذه الظروف؟ يعني ليس هناك ضمانة أن يكون نتنياهو هو رئيس الوزراء المقبل، وإذا صحت التقارير أن ممثلين عن السعودية والأردن والمغرب شاركوا في هذا الاجتماع، فما فائدة هذا التحالف في هذا التوقيت؟
د. عامر السبايلة: السؤال هو: ماذا يجلب نتنياهو؟ هل يأتي في البعد السياسي فقط أم في البعد الأمني الاستخباري أيضاً؟ نحن قد لا نتعامل مع نتنياهو كشخص، بل مع معلومات استخبارية وسيناريوهات. في محطات سابقة، قدمت الأجهزة الأمنية لنتنياهو مأزوماً معطيات ساعدته على تحسين موقعه. لذا، أعتقد أنه ذهب بصيغة رئيس حكومة يحمل سيناريوهات تمس المنطقة. قد يستفيد منها سياسياً، لكن ما يقدمه هو ما يجعل الأطراف الأخرى مضطرة للتعامل معه والتنسيق معه.
إذا افترضنا أن البعد الاستخباري هو الحاضر، وأن توقيت استهداف دول الخليج وأزمة البحر الأحمر يطرح تحديات، فهذه نقاط يمكن عرضها والاستفادة من المعلومة الاستخبارية والتعويل عليها، وليس التعامل مع رئيس حكومة بغرض منحه نفوذاً سياسياً.
الإمارات استقبلت في لحظات معينة قادة المعارضة الإسرائيلية في زيارات معلنة، ووجهت انتقادات مباشرة لنتنياهو، مما يثبت أن العلاقة لم تكن محصورة به كشخص. لذا، نعود لأهمية التوقيت وفحوى الزيارة والسيناريوهات المتوقعة.
المحاورة: سيد مجادلة، هناك تقارير عن حضور ممثلين عن السعودية والمغرب والأردن، إذا صح ذلك، لماذا أرادت إسرائيل أن يكون هذا الاجتماع أوسع من العلاقة مع أبوظبي؟
محمد مجادلة: أولاً، هذه التقارير واردة عن “القناة 14” الإسرائيلية، وهي قناة تعتبر بوقاً لنتنياهو واليمين المتطرف، ومصداقيتها ليست عالية. ثانياً، إسرائيل لديها علاقات مع الأردن والمغرب، فلماذا تحتاج لعقد لقاء بهذه الطريقة؟ حتى الحديث عن حضور ممثل عن خليفة حفتر من ليبيا لا يمكن استبعاده أو نفيه تماماً، لكن لا توجد مصادر موثوقة أكدت ذلك.
إذا ثبت بالفعل أن اللقاء كان بهذه الطريقة وبحضور هؤلاء القادة، وأنه لم يكن مجرد لقاء بل “قمة” حضرها نتنياهو في الإمارات بعد ثلاث سنوات من الحرب المدمرة على غزة والمقاطعة الدولية، فهذا سيعتبر انتصاراً كبيراً لنتنياهو. فلو أراد نتنياهو حشد هذا العدد من القادة من أوروبا اليوم، لما نجح ولما قبلوا مقابلته بسبب مذكرة التوقيف الدولية. لذا، سيستغل نتنياهو هذا الأمر في حال صحته ليرفع من أسهمه في الانتخابات، متهماً قادة المعارضة بعدم امتلاكهم لخبرته الدبلوماسية والسياسية.
سادساً: المأزق الداخلي لنتنياهو واستطلاعات الرأي
المحاورة: دكتور السبايلة، إلى جانب خبر حضور ممثلين عن الأردن والسعودية والمغرب، التقى ولي العهد السعودي اليوم نائب رئيس دولة الإمارات في الرياض، هل يمكن الربط بين الزيارتين؟
د. عامر السبايلة: الربط ممكن، لكن الربط الحقيقي يكمن فيما يجري في المنطقة: جبهة اليمن، البحر الأحمر، والتهديدات على السعودية. أعتقد أنه لا بد من تقارب سعودي-إماراتي وعودة للعلاقات كما كانت، خصوصاً في ملف اليمن. لقد رأينا في الأشهر الماضية انسحاب المجلس الانتقالي الجنوبي وخروج الإمارات، وتطور قدرات الحوثي بشكل كبير. حجم التهديدات الذي يطال البلدين اليوم قد يكون السبب الرئيسي لإعادة النظر في هذه السياسات والعلاقات.
المحاورة: عفواً على المقاطعة لضيق الوقت دكتور، لكن هل تعتقد أن هناك شيئاً أكبر يُحاك؟ فقد وصل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى الإمارات والتقى بمحمد بن زايد بعد زيارة نتنياهو، هل هناك سيناريو معين تشارك فيه أطراف متعددة لمواجهة الحوثيين أو لشيء آخر؟
د. عامر السبايلة: الجميع اليوم لديه حالة من الحذر الكبير، لأن ملف إيران ينتقل إلى فكرة التصعيد من الداخل، وعامل المفاجأة قد يكون حاضراً. إيران تملك أوراقاً في العراق واليمن، وبدأت هذه الأوراق تتحول لضرب مناطق غير مسبوقة، مثل الخط الشرقي-الغربي في السعودية. كل ما يجري يعني أن معظم الدول تحتاج للاستعداد لما هو قادم. هذه التحركات أضعها في خانة الاستعداد لمنع السيناريوهات الأسوأ، خاصة أن دول الخليج أصبحت في خط المواجهة الأول، وفكرة استهدافها لم تعد خطاً أحمر.
المحاورة: سيد مجادلة، تحدثنا عن استطلاع رأي لهيئة البث الإسرائيلية يمنح تقدماً طفيفاً لنتنياهو بالمقارنة مع منافسه آيزنكوت؛ لماذا لا يزال نتنياهو متقدماً رغم سلسلة التراجعات؟
محمد مجادلة: هذا الاستطلاع يقيس “مدى ملاءمة الشخصية لرئاسة الوزراء”، وقد يكون هناك تقدم طفيف لنتنياهو. لكن الاستطلاع الأهم هو “عدد المقاعد” المؤدي لتشكيل الحكومة. معسكر نتنياهو بعيد جداً عن الوصول إلى 61 مقعداً من أصل 120. فالمعارضة تحظى بقرابة 70 مقعداً، بينما يحظى معسكر نتنياهو بقرابة 50 مقعداً فقط. لذا، نتنياهو لا يمتلك إمكانية تشكيل الحكومة القادمة لو جرت الانتخابات اليوم.
كل ما نراه من زيارات أو تصريحات عن مؤشرات لهجوم أعداء إسرائيل قبيل الانتخابات، يقابله فوراً طلب من غادي آيزنكوت (قائد الأركان السابق) بعرض هذه المعلومات على رئيس المعارضة يائير لابيد، خوفاً من إقحام المنطقة في حرب لاستغلالها سياسياً. نتنياهو يدرك مأزقه الكبير، وهذا يدفعه للهروب إلى الأمام. هو توقع أن تعود شعبيته بعد اغتيال السنوار والضيف ونصر الله وحتى خامنئي، لكن الواقع أن الحزب الأكبر هو “يش عتيد” بزعامة آيزنكوت. ومع ذلك، شهر واحد قبل الانتخابات يمكن أن يغير الكثير، لذا سنرى نتنياهو يتحرك في اتجاهين: الأول، إثبات قدرته على صنع السلام الإقليمي بعد الحرب. والثاني، تشويه سمعة منافسيه، مستخدماً حتى المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل كوسيلة لاتهام خصومه بالتعاون معهم من أجل إسقاطه، وهذا ما سيستمر حتى النهاية.
المحاورة: شكراً لك أستاذ محمد مجادلة، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، كنت معنا من الناصرة. والشكر موصول للدكتور عامر السبايلة، المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي، كنت معنا من عمّان. بهذا، مشاهدينا الكرام، نصل إلى نهاية حلقة اليوم من برنامج “المسائية”، ابقوا بخير وإلى اللقاء.
—
حوار تم بثه عبر شبكة دوتش فيلا (DW) الألمانية عبر برنامج المسائية.


