في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، يبدو أن ضجيج المحركات الأمريكية في سماء إيران قد بدأ يفسح المجال لصمت التسويات الكبرى، مع إعلان الرئيس دونالد ترامب أن نهاية الحرب باتت قاب قوسين أو أدنى.
بمزيج من لغة القوة المفرطة والبراغماتية السياسية، رسم ترامب ملامح “النصر” الذي سعى إليه، مؤكداً أن الولايات المتحدة حققت هدفها الأسمى بتحطيم الحلم النووي الإيراني، لتبدأ مرحلة الترتيب لانسحاب عسكري كامل خلال أسابيع.
هي مقدمة سياسية وعسكرية صاخبة تضع العالم أمام حقيقة جديدة: واشنطن ترى أنها أعادت إيران عقوداً إلى الوراء، وأن “المجموعة العقلانية” الجديدة في طهران باتت تدرك أن ثمن العناد هو المحو الكامل، في وقت يستعد فيه البيت الأبيض لإعلان “تحديث مهم” يضع النقاط على حروف المواجهة التي غيرت وجه المنطقة.
استراتيجية “الكي بالنار” وتفكيك الطموح النووي
أكد الرئيس ترامب بلغة حاسمة أن العملية العسكرية حققت غايتها الرئيسية، وهي تجريد إيران من أي قدرة مستقبلية على امتلاك السلاح النووي، معتبراً أن الترسانة التي بُنيت في الجبال والأنفاق باتت أثراً بعد عين.
وبحسب الرؤية الأمريكية، فإن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية العسكرية سيحتاج إلى عقدين من الزمن لترميم ما فُقد، مما جعل طهران في “أضعف حالاتها منذ ربع قرن”.
هذا الإنجاز العسكري-وفقا لروايتهم- لم يكن مجرد استهداف للمنشآت، بل كان “إجباراً على العقلانية”، حيث يرى ترامب أن الاغتيالات والضربات الساحقة مهدت الطريق لظهور قيادة جديدة تدرك أن التفاوض ليس خياراً بل ضرورة للبقاء، حتى وإن صرح ترامب بأن إبرام الاتفاق نفسه “ليس ضرورياً” لإنهاء العملية، ما دام التهديد قد سُحق فعلياً.
روبيو وترسانة المسيّرات
من جانبه، فصّل وزير الخارجية ماركو روبيو الأهداف الجيوسياسية للضربة، موضحاً أن تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية والمسيّرات كان الخطوة الحتمية لحماية العالم من “الابتزاز النووي”.
روبيو شدد على أن إيران كانت تستخدم هذه القوة التقليدية كدرع يحمي طموحها لإنتاج القنبلة، مشيراً إلى أن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% لم يكن له أي غرض مدني سوى التمهيد للانفجار الكبير.
وكشف روبيو عن رصد مكونات للرؤوس النووية كانت طهران تنكر وجودها، مؤكداً أن الجيش الأمريكي يقترب من “خط النهاية” بكفاءة قتالية غير عادية، واضعاً الملاحة في مضيق هرمز كخط أحمر قانوني ودولي لا يقبل التفاوض، معتبراً أن أي إعاقة للسفن ستواجه برد حاسم ينهي ما تبقى من قدرات تقنية للنظام.
مقامرة “الرحيل المريح” وتهديد المحو الشامل
رغم حديث ترامب عن مغادرة إيران في غضون أسبوعين إلى ثلاثة، إلا أن هذا الانسحاب “المريح” مشروط بضمانات ميدانية صارمة.
فقد وضع الرئيس الأمريكي معادلة شديدة الخطورة: إما فتح مضيق هرمز فوراً والانخراط في “محادثات جادة”، أو اختتام العمليات العسكرية بـ “تفجير ومحو” شامل لمحطات الطاقة، وآبار النفط، وجزيرة خارك، وحتى محطات تحلية المياه.
هذا التهديد يعكس رغبة ترامب في ترك إيران كـ “جزيرة معزولة” وعاجزة تماماً إذا ما قررت المناورة في اللحظات الأخيرة.
واشنطن هنا لا تطلب اتفاقاً للسلام بقدر ما تفرض “صك استسلام” تقني يضمن عدم عودة التهديد، معتبرة أن أي محاولة مستقبلية للنهوض النووي ستواجَه بضربات مماثلة تجعل من إعادة الإعمار أمراً مستحيلاً.
مبادرة “الخمس نقاط” والبحث عن استقرار بديل
وسط هذا التصعيد الأمريكي، برزت التحركات الدولية الساعية لاحتواء الموقف، حيث أطلقت الصين وباكستان مبادرة خماسية تهدف لاستعادة الاستقرار عبر وقف فوري للأعمال العدائية وضمان أمن الممرات الملاحية.
هذه المبادرة تعكس قلق القوى الإقليمية والدولية من تداعيات الانهيار الكامل في إيران على سلاسل الإمداد والطاقة العالمية.
ومع ترقب خطاب ترامب للأمة، يظل التساؤل قائماً: هل ينجح “الرهان الأمريكي” في إنهاء الحرب بشروط واشنطن المنفردة، أم أن المنطقة ستدخل في فراغ أمني واقتصادي لا يمكن للمبادرات الدبلوماسية ردم هوته، خاصة مع تأكيد ترامب أن إيران “تتوسل” لإبرام اتفاق في الخفاء بينما تشتعل النيران في منشآتها التي كانت يوماً فخر صناعتها العسكرية؟


