ليس كلُّ (خالدٍ) سيفًا في الميدان، ولا كلُّ (فهميٍّ) عقلًا يُدير الحسابات الباردة؛ فقد يهبُ اللهُ رجلًا يجتمع فيه الخلودُ بالفهم، فيصير اسمُه قدرًا، وتغدو حروفُه سيرةً قبل أن تكون عَلَمًا.
ذلك هو الأستاذ الدكتور خالد فهمي؛ رجلٌ لم يكن خالدًا بطول العمر، ولكن بطول الأثر، ولا فهميًّا بمجرد الفطنة، بل لأنه جعل الفهم عبادةً، وحراسةً لأبواب المعنى، حتى كأن اللغةَ كانت تستريح إلى صوته إذا اضطربت، وتأوي إلى قلمه إذا تفرقت بها السبل.
وخالدٌ… من الخلود؛ وما يخلد في هذه الدنيا حقًّا إلا ما اتصل بالروح من علمٍ نافع، أو كلمةٍ صادقة، أو أثرٍ يربّي الأجيال على الجمال. وقد ترك الرجل وراءه عشرات المصنفات والبحوث، حتى بدا كأنه يخوض معركةً صامتة ضد النسيان؛ يكتب لا ليملأ الرفوف، بل ليملأ الفراغ الذي أحدثته الغفلة في وجدان الأمة. وقد أشارت المصادر إلى أن إرثه تجاوز ستين كتابًا وبحثًا في اللغة والفكر والمعجم والدراسات العربية.
أما “فهمي”، فهي نسبةٌ إلى الفهم؛ والفهم في حقيقته ليس كثرة المعلومات، بل نورٌ يُلقى في العقل، فيرى به الإنسان ما وراء الألفاظ، وما تحت السطور، وما بين المعاني. وكثيرون يحفظون اللغة، ولكن قليلًا منهم من تفهمه اللغةُ نفسها، فتفتح له خزائنها، وتبوح له بأسرارها. وكان الرجل من هؤلاء القلة؛ يقترب من العربية لا اقتراب الموظف من عمله، بل اقتراب المحب من محبوبته القديمة.
ولعل أجمل ما في العالم الحق أنه لا يضجُّ بنفسه؛ فكلما ازداد علمًا ازداد خفوتًا، كالنهر العميق لا يُسمع له صخب. وقد وصفه محبوه وتلاميذه بالتواضع والزهد والإصغاء الهادئ، حتى اجتمع له سلطان العلم وأدب النفس معًا.
وما أكثر الذين يكتبون في اللغة، وما أقل الذين يكتبون للغة. هناك من يتخذ العربيةَ سلّمًا إلى المجد، وهناك من يتخذ نفسه جنديًّا في حراسة مجدها؛ وكان خالد فهمي من هذا الطراز الأخير: يحرس الضاد لا بالعصبية الجوفاء، بل بالوعي، والتحقيق، وإحياء الصلة بين التراث وروح العصر.
رحم الله رجلًا وافق اسمُه بعضَ قدره؛ فكان «خالدًا» بما أبقى، و«فهميًّا» بما وعى، وكأن العربيةَ حين ضاقت بكثير من أهلها، اختارت له قلبًا يقيم فيها، وعقلًا يقيمها في الناس.


