بينما يلملم لبنان جراحه تحت وطأة وقف إطلاق نار هش، أطلقت الأمم المتحدة ووزارة الزراعة اللبنانية تحذيراً هو الأخطر من نوعه، مؤكدة أن البلاد تقف على حافة كارثة إنسانية غير مسبوقة تضع 1.24 مليون مواطن في مواجهة مباشرة مع انعدام الأمن الغذائي الحاد.
إن تداخل نيران النزاع مع غلاء المعيشة الفاحش لم يعد مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل تحول إلى تهديد وجودي يطال ربع سكان البلاد الذين باتوا عاجزين عن تأمين لقمة العيش خلال الأشهر الممتدة من أبريل إلى أغسطس 2026.
هذا السقوط الحر نحو الهاوية الغذائية، الذي تزكيه نيران الحرب بين حزب الله وإسرائيل، وضع الأسر اللبنانية واللاجئين السوريين والفلسطينيين في مأزق “البقاء”؛ حيث تآكلت قدراتهم على الصمود تماماً بعد أن دمر النزاع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وشلّ حركة التجارة في المناطق الأكثر حيوية جنوباً وشرقاً.
وأكد المسؤولون الدوليون واللبنانيون خلال مؤتمر صحفي في بيروت أن تداخل آثار النزاع المسلح والنزوح القسري مع الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة أدى إلى تآكل قدرة الأسر على الصمود.
ويعاني 36% من اللاجئين السوريين و45% من اللاجئين الفلسطينيين من مستويات خطيرة من الجوع، وسط لجوء العائلات لاستراتيجيات تكيف سلبية قاسية للبقاء على قيد الحياة.
وتناولت تقارير وكالات الأنباء العالمية والصحف الدولية المشهد اللبناني القاتم، مشيرة إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي يرعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يوقف النزيف الاقتصادي والزراعي المستمر.
وأوضحت ممثلة منظمة “الفاو” في لبنان، نورة حداد، أن الصدمات المتراكمة قوضت سبل العيش الزراعية بشكل غير مسبوق، خاصة في مناطق الجنوب مثل بنت جبيل وصور ومرجعيون، وبعلبك-الهرمل شرقاً، حيث تضررت الأراضي وتوقفت سلاسل الإمداد.
وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية، فإن الحرب لم تكتفِ بتهديد الأمن الغذائي، بل خلفت خسائر بشرية هائلة بلغت 2576 قتيلاً وأكثر من 7900 جريح، فضلاً عن تهجير ما يزيد عن مليون شخص، مما وضع الدولة اللبنانية أمام تحديات لوجستية وإنسانية تفوق قدراتها الوطنية.
ويرى خبراء اقتصاديون ومسؤولون دوليون أن حماية الأمن الغذائي في لبنان لم تعد شأناً محلياً بل أصبحت مسؤولية دولية ملحة لتفادي انهيار اجتماعي شامل.
وأكدت أليسون لاوي، ممثلة برنامج الأغذية العالمي، أن الأسر اللبنانية التي كانت تصارع للبقاء انزلقت مجدداً نحو الهاوية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة الوصول إلى الغذاء الأساسي.
ويجمع الخبراء على أن غياب المساعدات الإنسانية والزراعية الطارئة والمنتظمة سيؤدي حتماً إلى تفاقم الأزمة وتدهور الأوضاع بشكل لا يمكن تداركه.
واعتبروا أن استقرار لبنان الغذائي مرتبط باستدامة وقف إطلاق النار وفتح ممرات آمنة لدعم المزارعين واستعادة النشاط في المناطق الأكثر تضرراً التي باتت تعاني من شلل اقتصادي تام.


