تواجه الاقتصادات الأوروبية اختبارًا اقتصاديًا جديدًا مع عودة التضخم إلى الارتفاع تحت ضغط أسعار الطاقة، بالتزامن مع موجة بيع في أسواق السندات وتراجع الأسهم، ما يضع الحكومات والبنك المركزي الأوروبي أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن احتواء التضخم من دون خنق النمو، وتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي والاستثمار في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة التنافسية للشركات الأوروبية؟
وتأتي هذه الضغوط في وقت ارتفع فيه سعر خام برنت إلى أكثر من 95 دولارًا للبرميل، مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران واحتمالات استمرار اضطراب إمدادات الطاقة العالمية.
وفي جلسة 2 سبتمبر، تراجع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 0.2% إلى 645.94 نقطة بعدما لامس أدنى مستوى له في شهر، بينما ارتفعت عوائد السندات الحكومية، وقفز عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ أبريل 2011، في انعكاس مباشر لمخاوف المستثمرين من استمرار التضخم وارتفاع أسعار الفائدة.
التضخم الأوروبي يعود إلى دائرة الخطر
وأظهرت بيانات «يوروستات» أن التضخم السنوي في منطقة اليورو ارتفع إلى 3.3% في أغسطس 2026، مقابل 2.9% في يوليو، ليبتعد مجددًا عن هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%.
لكن الأرقام تكشف أن الطاقة هي المحرك الأساسي للارتفاع الجديد.فقد ارتفع معدل تضخم أسعار الطاقة إلى 14.3% في أغسطس، مقابل 10.3% في يوليو، بينما بقي التضخم الأساسي، الذي يستبعد الطاقة والغذاء وبعض المكونات المتقلبة، أقل بكثير عند 2.4%.
وتعني هذه الصورة أن أوروبا لا تواجه في الوقت الحالي موجة تضخم واسعة في جميع مكونات الأسعار بالدرجة نفسها، وإنما تواجه صدمة طاقة يمكن أن تنتقل تدريجيًا إلى بقية الاقتصاد إذا استمرت لفترة طويلة.
البنك المركزي الأوروبي أمام قرار صعب
وتضع هذه التطورات البنك المركزي الأوروبي أمام موقف بالغ الحساسية. فرفع أسعار الفائدة يمكن أن يساعد في منع صدمة الطاقة من التحول إلى تضخم أكثر رسوخًا، لكنه في الوقت نفسه يزيد تكلفة الاقتراض على الشركات والأسر والحكومات، ويضغط على الاستثمار والنمو.
وتتوقع غالبية الاقتصاديين الذين استطلعت رويترز آراءهم أن يرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة في اجتماعه المقبل بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.50%.
وكان جميع الاقتصاديين الـ65 المشاركين في استطلاع رويترز قد توقعوا هذه الزيادة، بينما يرى معظمهم أن البنك قد يتوقف بعدها عن رفع الفائدة، ما لم تتدهور توقعات التضخم بصورة أكبر.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع تصريحات غابرييل مخلوف، محافظ البنك المركزي الأيرلندي وعضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، الذي أكد ضرورة بقاء البنك مستعدًا لمزيد من رفع الفائدة إذا تحرك التضخم في الاتجاه الخاطئ.
أوروبا بين التضخم والركود
المشكلة أن رفع الفائدة ليس علاجًا مباشرًا لارتفاع أسعار النفط والغاز. فإذا كان سبب التضخم هو ارتفاع تكلفة الطاقة نتيجة حرب أو اضطراب في الإمدادات، فإن زيادة أسعار الفائدة لا تستطيع إنتاج مزيد من النفط أو الغاز.
لكنها تستطيع التأثير في الطلب، ومنع ارتفاع أسعار الطاقة من الانتقال بصورة أوسع إلى الأجور والخدمات والسلع.
وهنا تظهر المخاطرة. فإذا بالغ البنك المركزي في التشديد النقدي، يمكن أن تتباطأ الاستثمارات والاستهلاك في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى إنفاق كبير على الصناعة والدفاع والبنية التحتية.
أما إذا تساهل مع التضخم، فقد يستمر ارتفاع الأسعار لفترة أطول ويصبح من الصعب إعادة التضخم إلى مستوى 2%.
النفط يعيد أزمة الطاقة إلى أوروبا
وتعود جذور المشكلة الحالية إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. فقد استقرت أسعار برنت في 3 سبتمبر قرب 95.52 دولار للبرميل بعد أن بلغت خلال الجلسة أعلى مستوياتها في ستة أسابيع، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى 91.30 دولار.
وكانت الضربات الأميركية على إيران وتصاعد التوترات في المنطقة من أبرز العوامل التي دعمت الأسعار، في وقت انخفضت فيه حركة السفن عبر مضيق هرمز بصورة كبيرة.
وهذه التطورات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لأوروبا، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على واردات الطاقة.
فارتفاع أسعار النفط والغاز لا ينعكس فقط على محطات الوقود، وإنما ينتقل إلى تكلفة النقل والإنتاج والبتروكيماويات والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ثم يظهر تدريجيًا في أسعار السلع والخدمات.
الأسواق الأوروبية تدفع ثمن المخاطر
ولم تقتصر الصدمة على التضخم. فارتفاع توقعات الفائدة دفع المستثمرين إلى بيع السندات، ما أدى إلى ارتفاع العوائد.
وتكمن أهمية ذلك في أن عائد السندات الحكومية يمثل مرجعًا أساسيًا لتكلفة الاقتراض في الاقتصاد بأكمله.
فعندما ترتفع عوائد السندات، تصبح قروض الشركات أكثر تكلفة، وترتفع تكلفة تمويل المشروعات، كما تواجه الحكومات نفسها فاتورة أكبر لخدمة ديونها.
وقد شهدت الأسواق العالمية موجة بيع واسعة للسندات مع اجتماع ثلاثة عوامل: ارتفاع أسعار الطاقة، ومخاوف التضخم، وارتفاع مستويات الدين العام في عدد من الاقتصادات الكبرى.
ألمانيا.. الصناعة في مواجهة الاختبار
وتبدو ألمانيا من أكثر الاقتصادات الأوروبية حساسية لهذه المعادلة. فالصناعة الألمانية تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة، بينما تحتاج برلين في الوقت نفسه إلى زيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية والتحول الصناعي.
وفي 2 سبتمبر، وصل عائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى منذ أبريل 2011، وسط توقعات بتشديد السياسة النقدية الأوروبية.
لكن الصورة الألمانية ليست قاتمة بالكامل. فمعهد «إيفو» رفع توقعاته للنمو الاقتصادي الألماني إلى 1.4% في 2026 و1.2% في 2027، مدفوعًا بزيادة الإنفاق الحكومي والاستثمار في البنية التحتية والمناخ والدفاع، إلى جانب تحسن الإنتاج الصناعي والطلب على الصادرات.
في المقابل، يتوقع المعهد أن تصل معدلات التضخم إلى 2.8% في 2026، وأن تبلغ 3% في 2027 قبل أن تتراجع لاحقًا.
وهذا يعني أن الإنفاق الحكومي يمكن أن يدعم النمو، لكنه قد يزيد أيضًا من الضغوط التضخمية إذا تزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة.
بريطانيا.. أزمة السندات تضيق هامش الحكومة
وفي بريطانيا، أخذت أزمة سوق السندات بُعدًا أكثر وضوحًا. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات إلى 5.268% في 2 سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2008.
وجاء الارتفاع في إطار موجة بيع عالمية للسندات مرتبطة بمخاوف التضخم والطاقة، لكنه يحمل أهمية خاصة بالنسبة للحكومة البريطانية بسبب تأثيره المباشر في تكلفة خدمة الدين.
ووفق رويترز، أدى ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى تقليص الهامش المالي المتاح للحكومة البريطانية، في وقت تستعد فيه حكومة رئيس الوزراء آندي بيرنهام ووزير المالية جون هيلي لميزانية أكتوبر.
وتزداد الضغوط السياسية مع مطالبة اقتصاديين، من بينهم جيم أونيل وهاورد ديفيز، الحكومة البريطانية بإعادة النظر في بعض التزامات الإنفاق لضمان استقرار المالية العامة.
الدفاع ينافس التنمية على الأموال
وتزداد صعوبة المعادلة الأوروبية بسبب التحول في الأولويات الأمنية. فالحرب الروسية-الأوكرانية والتوترات الجيوسياسية الأوسع دفعت الدول الأوروبية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، بينما تحتاج القارة في الوقت نفسه إلى تمويل تحولها في مجال الطاقة وتحديث بنيتها التحتية ودعم صناعاتها الاستراتيجية.
وهذا يعني أن الحكومات مطالبة بتمويل عدد كبير من الأولويات في وقت ترتفع فيه تكلفة الاقتراض.
وقد يصبح السؤال الأساسي بالنسبة إلى وزارات المالية الأوروبية هو: من أين يأتي المال؟
زيادة الضرائب قد تضغط على الأسر والشركات، وخفض الإنفاق قد يؤثر في الخدمات والاستثمار، وزيادة الاقتراض ترفع أعباء الدين مستقبلًا.
الصناعة الأوروبية أمام تحدٍ مزدوج
ولا يتعلق الأمر بالميزانيات الحكومية فقط. فالشركات الأوروبية تواجه في الوقت نفسه ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التمويل.
وتزداد المشكلة في الصناعات التي تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء والغاز، مثل الكيماويات والمعادن والأسمدة وبعض الصناعات الثقيلة.
وفي حال استمرت الطاقة الأوروبية عند مستويات مرتفعة مقارنة بالمنافسين الدوليين، يمكن أن تتراجع القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، خصوصًا أمام الولايات المتحدة وآسيا والمناطق التي تمتلك طاقة أرخص.
ومن هنا تعود قضية السياسة الصناعية الأوروبية إلى قلب النقاش الاقتصادي.
من استيراد الطاقة إلى إنتاجها
تكشف الأزمة الحالية نقطة ضعف هيكلية في النموذج الاقتصادي الأوروبي. فالقارة بنت جزءًا كبيرًا من قوتها الاقتصادية خلال العقود الماضية على التجارة الدولية والطاقة المستوردة والأسواق المفتوحة.
لكن التحولات الجيوسياسية الأخيرة أظهرت أن الاعتماد الكبير على سلاسل الإمداد الخارجية يمكن أن يتحول إلى مصدر للمخاطر.
ولهذا تتجه أوروبا إلى تعزيز الاستثمار في مصادر الطاقة المحلية والمتجددة، وشبكات الكهرباء، والتخزين، والطاقة النووية في بعض الدول، إلى جانب البحث عن موردين أكثر تنوعًا للغاز والطاقة.
لكن بناء هذه القدرة يحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة، في حين أن الصدمة الحالية تضغط على الاقتصاد الآن.
التكنولوجيا والدفاع.. فرصة وسط الأزمة
ولا تخلو الصورة من جانب إيجابي. فزيادة الإنفاق الدفاعي والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والبنية التحتية يمكن أن تتحول إلى محركات جديدة للنمو الأوروبي.
وتشير تجربة ألمانيا الحالية إلى أن زيادة الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والدفاع يمكن أن تدعم النشاط الاقتصادي في المدى القصير.
لكن التحدي يتمثل في توجيه هذه الأموال إلى استثمارات ترفع الإنتاجية والقدرة التنافسية، بدلًا من أن تتحول إلى إنفاق إضافي يرفع الدين دون زيادة مقابلة في القدرة الإنتاجية.
التضخم يتحول إلى قضية اجتماعية
وعلى المستوى الشعبي، يظل التضخم أحد أكثر الملفات حساسية. فارتفاع أسعار الطاقة والنقل والغذاء يضغط بصورة أكبر على الأسر ذات الدخول المحدودة، ويؤثر في القدرة الشرائية حتى إذا ظل الاقتصاد في حالة نمو.
كما أن استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة يمكن أن يتحول إلى عامل سياسي، خصوصًا في الدول التي تواجه أصلًا استقطابًا حول الهجرة والأمن والطاقة والعلاقة مع روسيا.
وتظهر ألمانيا مثالًا واضحًا على التداخل بين الاقتصاد والسياسة. ففي شرق البلاد، يتزامن النقاش حول ارتفاع تكاليف الطاقة مع جدل أوسع بشأن روسيا والسياسة الخارجية والهجرة، بينما يتقدم حزب «البديل من أجل ألمانيا» في استطلاعات الرأي قبيل انتخابات ساكسونيا-أنهالت.
وتشير رويترز إلى أن الحزب يستفيد من الاستياء الاقتصادي والاجتماعي في أجزاء من ألمانيا الشرقية، ومن الحنين لدى بعض الناخبين إلى مرحلة كانت فيها الطاقة الروسية الرخيصة عنصرًا مهمًا في الاقتصاد المحلي.
الهجرة تدخل المعادلة الاقتصادية
وفي الوقت نفسه، تواجه أوروبا مشكلة مختلفة ولكنها مرتبطة بالاقتصاد، وهي نقص العمالة في عدد من القطاعات.
وتشير التطورات في ألمانيا إلى أن بعض المناطق التي تعاني انخفاض عدد السكان ونقص العمالة تحتاج إلى المهاجرين لتغطية احتياجات قطاعات مثل الرعاية الصحية والسياحة والصناعة.
ومن ثم فإن النقاش حول الهجرة لم يعد قضية اجتماعية وسياسية فقط، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة الاقتصادات الأوروبية على توفير العمالة اللازمة للحفاظ على الإنتاج والنمو. وهنا تظهر معادلة أكثر تعقيدًا: أوروبا تحتاج إلى ضبط الهجرة وإدارة الاندماج من ناحية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى قوة عاملة إضافية في عدد من القطاعات من ناحية أخرى.
هل تعود أوروبا إلى سياسة نقدية أكثر تشددًا؟
في الوقت الحالي، تشير توقعات الأسواق والاقتصاديين إلى أن البنك المركزي الأوروبي يميل إلى رفع الفائدة مرة أخرى في سبتمبر، لكنه يريد تجنب الدخول في دورة تشديد طويلة إذا لم تظهر مؤشرات على انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم الأساسي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن التضخم الأساسي في منطقة اليورو لا يزال أقل بكثير من التضخم العام. فإذا ظل ارتفاع الأسعار محصورًا نسبيًا في الطاقة، يمكن للبنك المركزي أن يتعامل معه بحذر. أما إذا بدأ ارتفاع الطاقة في الانتقال إلى الأجور والخدمات والسلع الأساسية، فقد يصبح من الضروري إبقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
الخطر الأكبر.. اجتماع عدة أزمات
المشكلة الحقيقية بالنسبة لأوروبا ليست في ارتفاع النفط وحده أو عوائد السندات وحدها. إنما في اجتماع عدة ضغوط في الوقت نفسه: طاقة مرتفعة، تضخم أعلى، فائدة مرتفعة، ديون عامة كبيرة، إنفاق دفاعي متزايد، وحاجة ملحة إلى الاستثمار الصناعي والتكنولوجي. وكل عنصر من هذه العناصر يمكن التعامل معه منفردًا.
لكن اجتماعها في وقت واحد يقلص مساحة المناورة أمام الحكومات والبنك المركزي الأوروبي.
هل تتحول الأزمة إلى فرصة؟
رغم المخاطر، لا تعني التطورات الحالية بالضرورة أن أوروبا تتجه إلى أزمة اقتصادية شاملة. فالاقتصاد الأوروبي يمتلك قاعدة صناعية كبيرة، وسوقًا موحدة ضخمة، ومؤسسات مالية قوية، وشركات عالمية، وجامعات ومراكز أبحاث متقدمة.
كما أن زيادة الإنفاق في الدفاع والبنية التحتية والتكنولوجيا يمكن أن توفر دفعة جديدة للاستثمار والإنتاجية إذا جرى توجيهها بكفاءة. وتقدم ألمانيا مثالًا على هذه الإمكانية، إذ رفع معهد «إيفو» توقعاته للنمو رغم اعترافه بأن ارتفاع أسعار الطاقة سيحد من الاستهلاك ويرفع التضخم.
وبالتالي قد تتحول الصدمة الحالية إلى حافز لتسريع بناء اقتصاد أوروبي أكثر اعتمادًا على مصادر الطاقة المتنوعة وأكثر قدرة على إنتاج التكنولوجيا والصناعات الاستراتيجية داخل القارة.
السيناريو الأصعب
أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في استمرار الحرب واضطراب أسواق الطاقة لفترة طويلة. في هذه الحالة يمكن أن يبقى النفط والغاز مرتفعين، ويستمر التضخم فوق مستهدف البنك المركزي الأوروبي، بينما تضطر الحكومات إلى الاقتراض لتمويل الدفاع والاستثمار.
ارتفاع عوائد السندات سيزيد تكلفة خدمة الدين، وارتفاع الفائدة سيضغط على الاستثمار، بينما تقلص الطاقة المرتفعة قدرة الشركات الأوروبية على المنافسة. وقد تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى الاختيار بين زيادة الضرائب وخفض الإنفاق أو قبول مستويات أعلى من الدين.
السيناريو الأفضل
أما السيناريو الأفضل فيتمثل في تراجع المخاطر الجيوسياسية واستقرار إمدادات الطاقة خلال الأشهر المقبلة. عندها يمكن أن تتراجع علاوة المخاطر في أسعار النفط والغاز، وتخف ضغوط التضخم، ويتوقف البنك المركزي الأوروبي عن رفع الفائدة، بينما تستفيد أوروبا من الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية والتكنولوجيا لدعم النمو. وهذا السيناريو سيمنح الحكومات مساحة أكبر لتنفيذ الاستثمارات الضرورية دون الدخول في مواجهة حادة بين النمو والاستقرار المالي.
أوروبا أمام إعادة تشكيل اقتصادي
وتكشف التطورات الحالية أن أوروبا لا تواجه مجرد موجة تضخم جديدة، وإنما مرحلة لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية.
الطاقة أصبحت قضية أمن قومي، والدفاع أصبح جزءًا أساسيًا من السياسة المالية، والصناعة عادت إلى قلب الاستراتيجية الأوروبية، فيما أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقائق والطاقة النظيفة عناصر من المنافسة الجيوسياسية.
لكن تكلفة هذا التحول ستكون مرتفعة. فأوروبا تريد في الوقت نفسه الحفاظ على مستويات المعيشة، وخفض التضخم، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ودعم الصناعة، وتسريع التحول الأخضر، والاستثمار في التكنولوجيا.
فى النهاية يمكن القول أن أوروبا دخلت شهر سبتمبر 2026 وهى أمام معادلة اقتصادية أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه أرقام الأسواق للوهلة الأولى.
فارتفاع التضخم إلى 3.3% في منطقة اليورو جاء مدفوعًا بصورة أساسية بقفزة أسعار الطاقة، بينما ارتفعت عوائد السندات إلى مستويات تاريخية أو شبه تاريخية في ألمانيا وبريطانيا، ما يعني أن الحكومات تواجه تكلفة أعلى لتمويل ديونها في الوقت الذي تحتاج فيه إلى إنفاق أكبر على الدفاع والاستثمار.
وفي المقابل، لا تزال هناك مؤشرات على قدرة الاقتصاد الأوروبي على الصمود؛ فقد رفع معهد «إيفو» توقعاته للنمو الألماني، بينما يتوقع الاقتصاديون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة في سبتمبر ثم يتوقف، ما لم تستمر صدمة الطاقة في تغذية التضخم الأساسي.
وهكذا فإن المعركة الاقتصادية الأوروبية خلال المرحلة المقبلة لن تكون فقط ضد التضخم، وإنما ضد تكلفة التحول نفسه.
فأوروبا مطالبة ببناء قدرة دفاعية أكبر، وتأمين مصادر الطاقة، وإعادة بناء الصناعة، والاستثمار في التكنولوجيا، وكل ذلك في وقت ترتفع فيه تكلفة المال والطاقة.
إذا هدأت الأزمة الجيوسياسية، يمكن أن تتحول هذه الضغوط إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد الأوروبي على أسس أكثر استقلالًا وقدرة على المنافسة.
أما إذا طال اضطراب الطاقة، فإن ارتفاع التضخم والفائدة والديون قد يفرض على الحكومات الأوروبية اختيارات صعبة، ويزيد في الوقت نفسه من الضغوط الاجتماعية والسياسية التي تعانيها القارة.


