لا تُولَد الأُمَم ولا تَتَأسَّس وتَشغَل حَيّزًا في الفضاء الكوني على كُلّ المستويات الوجوديّة إلا مرّةً واحدة ثُمّ يَتراكم حجمُها وتأثيرُها في الحضارة، وتُزيح غيرها منَ الحَيّز بحسب قُوّة ما تُقَدّمه ويحتاجه المجتمع الإنسانيّ، ليُعالج أزماته، ويُيَسّر له حياته.
وتَمرض الأُمَم وتَتَخلّف عن ركب الحضارة؛ وكُلّ محاولة لبعث الأُمَم من جديد لا يجب أن تُعيد الكرة منَ الصِّفر، ولا تَعود لشروط التّأسيس والولادة كأَوّل مرّة، لأنّها بإعادة نَفْس الكَرَّة وبنفس الشُّروط الموضوعيّة تُفَجّر الجَسد الصَّالح للإستشفاء والعلاج، وتَزيد مِن تَمزيقه وتَشرذُمه مِن حيث أرادت الإصلاح؛ ولا يجوز أو لا يَصِحّ أن تُختصَر جماعة الأُمّة في نفسها، وهو ما وَقعَتْ فيه كُلّ الجماعات التي حاوَلت واجتهدَت في بَعث الأُمّة مِن جديدٍ عبر منهج التّأسيس وشُروطه الموضوعيّة من جديد، لأنّها تحتكِر الحَقّ المُشاع في ثُلّة منَ البشر؛ وكُلّ احتكار للمُشاع منَ المفاهيم والتّصوُّرات والتّاريخ والعقائد هو مَشروع حربٍ في حَدِّ ذاته، ويُجَنّد أعداءه بنفسه دون تجنيدٍ ولا بروباجندا معادية، لأنّه في حقيقته سَلْب للهُوِيّة من كُلّ الأمّة، وهو أخطر مُنزلقٍ وَقعَتْ فيه الجماعات الإسلاميّة؛ وما كان يُخيف “حازم صلاح أبو إسماعيل” إلّا هذا، وكان يقول: “هذه خَصخصة للدَّعوة والتّجديد والبعث، ولا بُدّ من استنفار الأمّة كلّها بكلّ جسدها دون تمييزٍ”. -انتهي كلامه، فكّ الله أسره-.
ذلكَ أنّ بعث الأمّة واجب على كلّ مَن يحمل هُوِيّتها من وجه، ولحماية البعث منَ الخُصوم؛ فحركةُ الأمّة لا يُمكن تصوُّرها بمعزل عن أعدائها، والذين إذا قرّروا شَنّ حربٍ عليها سَهّل عليهم الاختفاء خلف مواجهة الجماعات بسهولة، واتهامها بالحقّ أو الباطل ممّا يُسهّل العدوان على ثوابتها وتمريره بحسب أنّه لا يَمسّ الأمّة كلّها، وكأنه من ثوابت تلك الجماعات فحسب، وأمر زائد عن هُوِيّة الأمّة فتزهد فيه الأمّة، وتحاول غرسَ بديلٍ له منَ الباطل كَمُكَوِّن من مُكوّنات الهُوِيّة، لأنّ الهُوِيّة تتكوّن من عِدّة عوامل مُتكاملة، فإذا زَهدَتْ في بعضه استبدلته بغيره، لأنّ الهُوِيّات لا تقبل النَّقص ولا الاندماج في غيرها؛ وكلّ جُهد للبعث عليه أنْ يَنتهج منهج الاستطباب والتّطبيب، وليس الإنشاء، وهو ما لم يُراعى الأحكام القطعيّة بأنّ التّأسيس والولادة مرّة واحدة لا تتكرّر، وهو ما جعل غالب تلك الجماعات تستهلك الزَّمن في حِقب زمنيّة، فتخفق ثُمّ تحتاج لمعاودة التّأسيس كلّ حينٍ.


