في لحظة تاريخية، لم تعد خرائط الشرق الأوسط تُرسم في ردهات البيت الأبيض، بل باتت تُكتب بمداد الصمود فوق مياه مضيق هرمز المشتعلة.
ربما تتغير المعادلات، وتتبدل التحالفات، وما كان يقرره الغرب امس، يقرره الشرق اليوم وغدا، ما يهمنا هو أن نكون رقما فاعلا فى المعادلة ومؤثرا، ونتحكم فيما قدر الله لنا من ادوات دون سفه أو ظلم أو فساد.
وبكلمات وصفتها الدوائر السياسية بـ “الصواريخ التحليلية”، أطلق الدكتور حسن أحمديان “أستاذ مساعد في دراسات غرب آسيا وشمال أفريقيا في جامعة طهران” وثيقة “أول الغيث”، معلناً نهاية عصر الإملاءات .
إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد هدنة عابرة، بل هو زلزال استراتيجي أجبر واشنطن على تمزيق أوراقها القديمة والجلوس خلف “الورقة الإيرانية” كأرضية وحيدة للتفاوض.
لقد خرجت طهران-مدعومة من الصين اولا ثم روسيا- من أتون المواجهة وهي تمسك بمفاتيح الطاقة العالمية، تاركةً لخصومها مرارة التردد والكذب، ومثبتةً أن التاريخ لا يعترف بعويل المهزومين، بل يخلد القوى التي تفرض إرادتها في ممرات الموت.
تأكل أهداف واشنطن وصمود الترسانة الاستراتيجية
أثبتت التطورات الميدانية فشلاً ذريعاً لـ “بيان المحو” الذي أطلقه الرئيس ترامب في مستهل الأزمة، حيث نجحت إيران في تحقيق معادلة “صفر أهداف للعدو”.
وبحسب تقارير وكالات الأنباء العالمية، فإن الحشد العسكري الامريكى غير المسبوق لم ينجح في تفكيك البرنامج النووي أو كسر آلة الصواريخ الباليستية، بل إن طهران خرجت من هذه الجولة أكثر تماسكاً وفرضت شروطها العشرة كاملة.
ويرى خبراء في صحيفة “وول ستريت جورنال” أن بقاء محور المقاومة على فاعليته رغم الضربات يمثل اعترافاً دولياً بفشل سياسة “الضغط الأقصى” التي تحولت في نهاية المطاف إلى استنزاف قاتل لهيبة وقدرات القوات الأمريكية في المنطقة.
شرطي المرور الوحيد في هرمز وصفعة الرهانات الخاسرة
فرضت إيران واقعاً ملاحياً جديداً حوّل قواتها المسلحة إلى “شرطي المرور الوحيد” في مضيق هرمز، حيث بات العبور الآمن للطاقة العالمية مرهوناً بأذونات من طهران.
هذه القوة الفائضة وجهت صفعة قوية لكل القوى الإقليمية والحلفاء الذين راهنوا على انكسار الدولة الإيرانية تحت وطأة القصف.
وتؤكد تقارير “بلومبرغ” أن القبول الدولي بالأمر الواقع في المضيق ليس مجرد إجراء فني، بل هو إقرار بسيادة إيرانية كاملة على شريان الحياة الاقتصادي، وهو ما أجبر شركات الشحن العالمية على مواءمة مساراتها وفق “لغة النفير” والبروتوكولات التي تفرضها البحرية الإيرانية ميدانياً.
تمزيق الشروط الأمريكية والرضوخ للرؤية الإيرانية
يتمثل التنازل الأكبر لإدارة ترامب في قبول التفاوض بناءً على “الورقة الإيرانية” كأرضية حصرية للنقاش، متخليةً بذلك عن قائمة “الـ 18 شرطاً” التي رفعتها واشنطن سابقاً.
ويجمع المحللون السياسيون في “فرانس برس” و”رويترز” على أن هذا التراجع يمثل اعترافاً صريحاً بانتهاء عصر الهيمنة القطبية، حيث أدرك البيت الأبيض أن الاستمرار في الحرب سيعني دماراً شاملاً للبنى التحتية التكنولوجية والاقتصادية في المنطقة.
هل ندخل عصر إقليمي جديد وتحذير من “المآلات الصعبة”
تؤسس إيران اليوم لعصر إقليمي جديد قائم على الاعتراف بقوتها كلاعب لا يمكن تجاوزه، مع توجيه رسالة حاسمة بأن الهدنة ليست ضعفاً بل هي مرحلة لـ “تثبيت المكاسب”.
إن القاعدة التي أرساها أحمديان في وثيقته “وإن عادوا عُدنا” تضع العالم أمام مسؤولية تاريخية؛ فأي محاولة للالتفاف على التعهدات ستُقابل برد ربما اكبر، فمكن الممكن ان يكون الداعمين لاعبين ظاهرين فى المواجهة.
إننا بصدد مشهد يتجاوز إنهاء حرب، بل هو إعادة صياغة للنظام الدولي من فوق أنقاض “البروباجندا” التي تحطمت فوق صخور صمود دولة اعتدى على ارضها، بانتظار فجر جديد لا مكان فيه للضعفاء.
ويجب ان يعى الدرس جيدا المحور السنى ودول الخليج وباكستان وتركيا ومصر والسعودية، ويتموا تحالفا عربيا موحدا يمثل قوة اقليمية رادعة-وهم يستطيعون – للقضاء على الهيمنة والبلجة الامريكية وذراعها القذرة الكيان المحتل.


