في العام 2015 كنت إماما لمسجد خالد بن الوليد في مدينة شتوتجارت، وكان السوريون أيامها في حالة نزوح عامة ولألمانيا خاصة، وعند زيارة بعض رواد المسجد لمعسكر النازحين في المدينة لتيسير أمورهم والإتيان بحاجاتهم ما استطاعوا طلبت منهم سيدة في أواخر الثلاثينات لقاء إمام المسجد فأتوا بها لمقابلتي فكان طلبها مني عجيبا إذ طلبت مني أن أزوجها عبر الأثير من شاب سوري التقته على الحدود التركية في طريق النزوح، وكانا قد اتفقا على الزواج بمجرد انتهاء عدتها من زوجها الشهيد الذي استشهد مع ولدها الأكبر ذي الأربعة عشر عاما في أحداث الثورة وماتلاها، إذن بالكاد مر العام ورحلة النزوح وحدها استغرقت مايقارب الثلاثة أشهر قضت منها شهرين بتركيا..
تواصلت هي بالتليفون مع الشاب المقصود بالزواج فأجاب راغبا فرحا على ما بينهما من نحو العشر سنوات وهي الأكبر سنا وهو كان الأكبر مقاما لكونه من المجاهدين صاحبي العزم على حتمية الانتقام من النظام الطاغي وكل داعميه وكل بلطجية وشبيحة الطاغية..
استدعيت اثنين من الذيٰن أتوا بها من معسكر النزوح للشهادة وكان ينبغي إحاطتهم بالموضوع كاملا، وتركتها تحكي القصة كاملة فأسر أحدهما في أذني (جبارة هذه المرأة يا إمام) إذْ كيف تمتلك عاطفة للحب والشوق للزواج وهي الأرملة بفقد الزوج والثكلى بفقد الإبن، لكن كانت كلمات السيدة ولباسها السابغ داليْن على دين لديها متين فاكتفيت بموافقته هزة برأسي ولكني أخرجته من حالة العجب بسؤاله هل ستقبل الشهادة على عقد زواجها، فقال بالطبع سأشهد ولي الشرف أن أشهد على هذا العقد النادر.
وبعد العقد جلست معها بعيدا عن الشهود بنحو العشرين مترا أنصحها بالتحفظ أثناء حديثها مع زوجها الجديد حتى يأذن الله بلقائهما وجمعهما في أي أرض فقالت لي لا تقلق يا شيخ فلقد عقدت العقد لإرضاء ربي وفقط لنتبادل سويا كلمات الحب البريئة من الرغبة والاطمئنان على بعضنا حتى يأذن الله باللقاء.
التقيت الشاهد بعدها بنحو اليومين فسألته لماذا اخترت كلمة (جبارة) لوصف مسلك المرأة السورية، فتحيّر قليلا ثم أجاب أي شخص يتجاهل الأعراف والتقاليد الفطرية المعهودة تصديقا لمشاعره غير آبه بالقيل والقال لتحقيق رغبات نفسه المشروعة يكون جبارا، فقلت هذا علم أم اجتهاد شخصي، فأجاب هو اجتهاد نتج ممن سمعتهم يرددون هذه الكلمات في مناسبات قريبة من ذلك، فقلت له أوافقك ففي العام 2008 وبعد معركة الرصاص المصبوب في غزة كانت امرأة غزاوية تظهر في مقدمة نشرات أخبار الجزيرة لتقول لن نتوقف وسنلتقي أزواجنا وننجب ونأتي بمن يخلف الشهداء في المقاومة والصمود وأيامها صاح رجل مغربي كان يشاهد معي التلفاز بنفس الصيحة (جبارة هذه المرأة يا إمام)، فكانت كلمات هذه الفاضلة مفتاحا عمليا لتفسير ملاحم الصبر والصمود وزغاريد الفرح بارتقاء الشهداء في كل أرض تشهد المقاومة مع كل الطغاة والمجرمين.
إذن فلدينا من الحدثيْن مكونات مصطلح الجبار أو الجبارة بشريا من قاموس وخبرات حياتنا، وهذه المكونات تأتلف فيها نفس مؤمنة صادقة الإيمان متوكلة على الله واثقة فيه تتعرض لفقد غال في مأساة مجرمة فبعد أن تتصور مصيره الذي قد صار إليه من مجد وارتقاء، مصيرا غاليا مبهرا ومبهجا لا يحلم به الحالمون، فهنا تتحول الأزمة في فكر روحه إلى عزمة والمحنة إلى منحة فتجد هذه النفس ومن عظم التصديق تتحرك إلى تجاوز الأزمة والمحنة بسرعة إلى حياة جديدة تنشأها من جديد، فالحياة عند هؤلاء الجبارين ما ينبغي أن تتوقف وتتعثر وتغرق في بحار الحزن كما عند مدمني الحزن والتزام المقابر بجوار من رحلوا شعوريا على الأقل والذين تجدهم لا يلوكون إلا سيرة الراحل وكل تفاصبل ذكرياتهم وكأنه رحل حاملا معه بقية الحياة كلها وأن لا حياة في حسهم بعده، وليست هذه الأنفس البنفسجية التي تستغرقها الأحزان مستعدة لبداية حياة جديدة بل وتطالب جميع من حولها أن يسكنهم الموت مبكرين، فالأولون جبارون بتفاؤلهم وقدراتهم المبهرة على تجاوز الصعاب والمعيقات وإدارة حركة الحياة بقوة لأعلى وأغلى والآخرون ضعفاء بضعف يقينهم بجماليات مصائر الراحلين إذا كانوا بالطبع مؤمنين..
ولقد كانت مثل هذه الكلمات تقولها الوصيفة لزوجة نور الدين محمود لتقنعها بالزواج من صلاح الدين الأيوبي بعد وفاة زوجها الذي كان يراه البروفيسور الهندي الفذ (أبو الحسن الندوي) صحابيا غاليا وصل الأرض متأخرا نحو من الخمسة قرون، ولقد كنت أعيد هذا المقطع من مسلسل صلاح الدين عشرات المرات لأستمتع بنصيحة الوصيفة الجبارة التي تصرخ في الزوجة أن لا تنهزم للموت بين يدي الحياة.
ورأينا في حياة النبي هذا الصحابي الذي جاء يشكو زوجته التي بعد أن جعلته يقضي وطره منها تخبره بوفاة ولدهما بعد أن سألته سؤالا منطقيا إن كان لأحد عنده وديعة وجاء يستردها أليس يردها؟، فلما أجاب بلى، فقالت فإن الله قد استرد وديعته عندك فلقد توفى الله ولدنا هذا الصباح، وكان قد سألها عن الولد الذي كان تركه مريضا في أول النهار فأجابته ساعتها أنه سكن، فلما سمع النبي هذه القصة قال وهو ينظر متعجبا من شأن هذه المرأة وأظنها أم أنس بن مالك (بارك الله لكما في ليلتكما تلك) فرُزقا من هذه الليلة بولد له عشرة من الذرية كلهم يحفظون القرآن ويتعلمون الخير ويعلْمونه ويجاهدون تلبية لكل حيعهلة، أسمعك ياصديقي تقول عن هذه المرأة الصحابية أنها (جبارة) وهي والله كذلك، وهذا دليل على أن قوة المرأة في دينها وصدقها في يقينها هو الذي يصنع الفرسان والشجعان ورافعي لواء الحق دوما بينما غيرهن والتي ترتدي السواد وتكسو به كل مفردات الحياة فهذه التي تصنع رجال النكبات والهزائم فلذلك ترى المرأة السيساوية إما حزينة كئيبة ضعيفة مهزومة قبورية العيش وحتى العبادة بتوسلها لأصحاب المقابر الأضرحة وإما تجدها راقصة متبجحة صارخة في وجه زوجها عمال على بطال كما يقول المصريون حتى تحيله داجنة ناهقة غبية سافلة.
لقد جمعت الخنساء بين الحالتين فقبل الإسلام وبروح الجاهلية تذكر أخاها صخرا بالغداة والعشي (يذكرني طلوع الشمس صخرا وأذكره إذا حان المغيب)، (ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي)، ولما أسلمت وحلت فيها روح الإسلام العالية الفاعلة استبشرت بخبر استشهاد أبنائها الأربعة فكانت في جاهليتها منهزمة حزينة خوارة وبدين الله أضحت صادقة جبارة.
سنجد أيضا هذا الصحابي الذي اصطحب ضيفا غريبا لبيته يطعمه ويأويه استجابة لطلب من النبي لكن زوجه أخبرته أن الطعام بالكاد يكفي أولادهما فقال: علليهم حتى يناموا فلما نام الأولاد أتت الزوجة بالطعام فقدمته بين يدي الضيف ثم عرّضت السراج للريح فانطفأ ثم أخذت وزوجها يصدران في العتمة صوتا كأنهما يأكلان مع الضيف، فلما ذهب الرجل والضيف لصلاة الفجر استقبل النبي الصحابي ضاحكا وأسرّ له في أذنه أن الله تعالى ضحك عجبا من صنيعكما الليلة مع ضيفكما، والجميل أن النبي نسب جمال الصنيع إلى الرجل وزوجته، ستضحك أيضا وتقول كانا جبارين فعلا هذا الرجل وزوجته إذا يقسوان على قلبيهما بعدم إطعام الطعام لأولادهما وإيثار الضيف على نفسيهما وأولادهما.. فهذا التجبّر على القلب رغم امتلائه بالرحمة لصالح إحراز أهداف في الحياة هي فعلا أهم من الحال الذي نتجاوزه ملايين المرات، فتؤخر طعام طفلك ليلة ينامها جائعا لتطعم وتوقظ قلبا جديدا لدين جديد ربما يرحل مصطحبا فعلك المريم ليؤمن قلبه ولتؤمن بإيمانه عشيرته وأهله كما في قصص كثيرة.
هل ستكمل معي اجتهاد تصوري في توسيع دائرة اسم الله تعالى (الجبار) علما أنه محض اجتهاد قد أصيب فيه وقد أخطئ، والشائع أنه يعبر عن قوة الله وبطشه بعتاة المجرمين، وقليلون ذكروا أنه من جبران الخواطر المنكسرة، غير أنني أتصور فاعلية هذا الاسم الجليل في ضوء ما سبق وغيره لأجد اسم الجبار الذي يتجبر على رحمته التي كتبها لأهل الإيمان فقط فيوقف أحيانا فاعليات اسم الله الرحيم لمنح الفاعلية أكثر لاسم الله الرحمن، فاسم الله الرحيم يعني ألا يُقتل مؤمن ولايُحاصر ولايُباد ولايُعذب ولايُسجن ولا……..،…..
وهذا يعني أن اختيار الظالمين للظلم والإفساد والطغيان والقتل والإبادة وغيره من أفعال الفساد لن تتحقق.. فلن تتحرك هذه الاختيارات المريرة إلى حيز التفعيل مادام اسم الله الرحيم قائما فاعلا دوما بانفتاح مساحات الكون، فبذلك سيمتنع الظلم وتبعاته ويعيش الناس جميعا في أحوال العدل والطهر رغما عنهم وبعكس اختيارات أكثرهم، {فما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} / يوسف، وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، وهنا ستجد الفارق جليا بين اسمي الرحيم والرحمن، فاسم الله الرحمن ودائرة عمله وفعلياته بطول فترة الإستخلاف الإنساني من أول الخلق وحتى تمام الحساب، بل وقبل الخلق بإعداد الهداية {الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان…}، فاسم الله الرحمن كما يرزق المؤمن يرزق الكافر ويطعمه ويكسوه ويقويه وربما يكون رزق الكافر أكثر من رزق المؤمن فالأول دالة عليه آية الزخرف (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة…)، بينما المؤمنون {ولنبلونكم بشيئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات} / البقرة،
وفي جولات عديدة بين بين أهل الإيمان وأهل الكفر فربما ينصر اسم الله الرحمن الكافرين على المؤمنين ويمكنهم أيضا من تعذيبهم وحرقهم وإبادتهم وتدمير بيوتهم، وهذا سر إتيان اسمه الرحمن بعد الرحيم مباشرة في البسملة وبعد الحمد لله رب العالمين في الفاتحة، أن كلاهما له دوائر عمل وفاعليات الرحيم في الدنيا أو زمن الاستخلاف أقل بكثير من اسم الرحمن، بينما في الآخرة سيخلد اسم الرحيم مع أهل الإيمان بطول خلودهم في الجنان، واسم الجبار هو الذي به تتوقف فاعليات الرحيم ويشتد تفعيل إسم الرحمن للسماح بامتحانات وابتلائات المؤمنين ومنح فرص الطغيان والظلم للطغاة الظالمين.. وهكذا.
فتجليات اسم الله الجبار ليست في جبروته بمعنى قوته فاسم الله القوي والمتين والقهار تغني عن معنى الجبار المشهور سلفا، ولكني أرى الجبار اليوم هو الذي يسمح بوقوع الكثير من المفاسد والمظالم والحوادث المجرمة والتي ترهق قلوب الطيبين ولدرجة أن فريقا من غير المسلمين لا يستطيع أن يتحمل مشاهدة هذه الأحداث، ولكنهم ومعهم الكثيرون من المؤمنين لا يستطيعون رؤية امتداد صورة الأحداث المشهودة والتي بدايتها على الأرض تظهر قهرا وتدميرا وسجنا وعذابا وحرقا ونسفا ومرضا، فكيف بأرحم الراحمين فلن يسمح بكل هذه الفاعليات إلا إذا تجبّر على اسمه الرحيم….
لأنه ادخر البقية الأعظم من الصور المشهودة لابتلائات أهل الإيمان هنا على الأرض كلها هناك في الآخرة التي بعد هنا في الدنيا، والنسبة بين هنا وهناك نسبة غير خاضعة للتصور وللتقريب يمكن القول أنها واحد إلى تريليون تريليون مما ستراه في بقية الصورة في الآخرة.. فصورة الشهيد في الدنيا كما تراها تثير دموع حزنك لكنها هناك تثير دموع فرحك وإسعادك، ولذلك القرآن لايفعل مثل قنوات الجزيرة فيصور لك صور الحرق والدمار وسقوط القتلى كاملة، إنما يعطيك خبرا سريعا {قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون} / يس، ولايفصل لك كيف قتل هذا الرجل الآتي من أقصى المدينة يسعى صارخا أن اتبعوا المرسلين، {إذ هم عليها قعود} / البروج)، ولم يفصل لنا القرآن مشاهد الحرق والصراخ والفزع حينها.. لأنك لو انفتحت لك امتدادات الجمال يوم القيامة لوجدت لهذا الشهيد أو ذاك يتقدمون زفات من الجمال والنور والارتقاء فيصعد نظرك معه من بروج السماوات ومصاعدها بزيناتها وأنوارها وجمالياتها ثم الوصول معهم إلى حفلات الاستقبال الغير خاضعة للتصور لتجدهم بعدها (عند ربهم يُرزقون، فرحين…).
وبذلك ترى اسم الجبار يترك الفرصة لفاعليات الأسماء الأخرى وتحديد أوقات فاعلياتها، ليثبت للمجرم حقارة فعله كاملا ومآلاته الأرضية وكيف كان الأطفال والنساء والشيوخ يفزعون ويصرخون فلذلك حينما يقف أمام أعماله بتكامل أبعادها يوم الفصل سيبتلع لسانه وهذا مالا يفهمه كثيرون ممن يريدون رحمة الله قائمة دوما فاعلة دوما فكيف إذن سيخلد هؤلاء المجرمين الطغاة الخونة في الجحيم، لابد أن تنحفر حروف كلمات كل ظالم وأولهم هذا السهواك المتصابي الغبي: والله والله والله ماكان لنا رغبة ولاإرادة في حكم مصر) ثم تراه يقيم المجازر للأحرار والأطهار فترى أنت الإمتداد هناك حيث مرسي في عليين وهذا الخنزير الكذوب في أسفل سافلين، فاسم الجبار هو من يصنع هذه المساحة التي ستكون رؤيتها كاملة هي أحد مشاغل المؤمنين في الجنان والفراديس {إن آصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} / يس، أما المآلات السماوية للمؤمنين فليس للكافر شرف أن يطالعها، ولذلك ستجد آية الصافات (إنه كان لي قرين.. فاطلع فرآه في سواء الجحيم)، بينما المجرمون فلن يطالعوا أبدا مجرد المطالعة لحيوات أهل الإيمان في الفراديس والجنان فهذا تشريف لايستحقونه، يكفيهم فقط مطالعة شجرة الزقوم وأنهار المُهل الذي سيغلي حين منه يشربون.


