بين عمري وأنا أشهد الخامس من يونيو 67 وبين عمري وأنا أشاهد تنويعا آخر من تنويعات الهزائم المصرية وهو ليلة القبض الأخيرة على صبري نخنوخ 5 يونيو 26 ما يقارب الستين سنة..
وكل الذي رسب في قناعتي من أيامها أن عامة الشعب أيامها كانوا يهتفون في مظاهرات ما بعد الهزيمة المريرة المحشودة بالخيانات الصريحة من قمة السلطة أن الناس بدلا من أن يهتفوا طلبا لمحاكمة الزعيم ومعرفة لماذا لم يترك الجيش ليقوم بالمبادأة والمفاجأة وقد ارسل لهم رأفت الهجان وطبقا لتقارير المخابرات المصرية والتي أذاعها في مسلسل باسمه تمت أذاعته في ثمانينات القرن الفائت أن الهجوم سيتم صباح الخامس من يونيو وكان هذا البلاغ في منتصف شهر مايو، فما كان من الزعيم الملهم الكاريزما إلا أن حشد القادة وابلغهم الخبر ورد على طلبهم جميعا بأخذ زمام المبادرة بالمبادأة والمفاجأة لكنه طلب منهم الهدوء والتزام كل مكانه قائلا (سنمتص الضربة)، وظن الجميع أن الزعيم قد جهز فخا للكيان ولمدة ثلاثة أسابيع وهم يتساءلون عن مدى تكتيكية مصطلح (امتصاص الضربة) ويتوهمون الفعل الشبحي المبهر اللائق بأفخم زعماء الأمة العربية ، فكان ما كان يا مان.
تعال إلى الهتاف الذي صدّع رأسي يومها إذ كانوا يصرخون هاتفين (لا تتنحى لا تتنحى.. عبد الناصر هو الناصر)، فطلبت أُذن أبي الذي كان يمسك يدي مشاركين في المظاهرة فلما انحنى وأصبح فمي في أذنه همست كيف يكون هو الناصر ولم ينصرنا، وكيف يكون هو الناصر وماذا يفعل الله إذن، فما كان من أبي إلا أن استأذن من عمي الأكبر وبعض أصحابه المشاركين متعللا أنني أحتاج دورة المياه، فخرجنا واستدرنا راجعين، وبعدما وصلنا إلى البيت بنحو الساعتين وصل أحد أخوالي واقعا بأفروله العسكري مردوما بالرمال والتراب أمام باب بيتنا وقدميه متورمتين بشكل لم أره من قبل ولا من بعد..
وبعد يومين من النوم وشرب الماء والطعام القليل كان يحكي ما شاهده وهو يصرخ بين الفينة والأخرى لابد من محاكمة المسئول ولم يكن في رأسه إلا الزعيم الملهم الكاريزما، وكان أشد ما يثير حنقي أن الأقارب كانوا يشيحون بوجوههم عنه إذا قال هذه الكلمات المطالبة بمحاكمة الزعيم.
كنت دوما غاضبا من غالبية الشعب الحقير المتجهز دوما للانصياع التلقائي الأوتوماتيكي لمن يضحك عليه.. من ساعتها وحتى يوم الانقلاب الثلاثين سونيائي والذي صرختم فيه بطلب إبعاد هذا البتاع بتاع قال الله وقال الرسول وكان صديقا صادقا يا أولاد الكلب..
وحتى اليوم الذي تم القاء القبض على زعيم البلطجية المصرية المعلم صبري نخنوخ، ومازالت كلمات التأييد للزعيم الانقلابي الخائن بائع النيل وتيران وصنافير ومنجم السكري وآثار مصر وثرواتها وصاحب الديون الأسطورية لأنه قبض على زعيم البلطجية، ويتغافلون عن ما يعرفونه وهو أن ذات الزعيم هو الذي أخرجه من السجن متغافلا عن دستة أحكام مؤبدة ويخرجه بعفو صحي حقير ورخيص..
فيأيها الشعب الحقير لماذا أصابكم الخرس والصمت حين منحه عفوا صحيا، وحين يعيده اليوم للسجن وبعد اثنا عشرة سنة..
فيأيها الشعب الحقير متى ستفيقون، ومتى تصرخون في وجه من يستهيفكم ويتلهى بكم بل يقتل ابناءكم ويسرق ثرواتكم وأنتم تصفقون.. أنتم كما أنتم لا تريدون وعيا جديدا، ولا تصحيحا لمساركم، صلاتكم غافلة تافهة لا تصنع قلبا ولا تزكي روحا.. صيامكم تقليدي باهت لا يحرز تقوى ولا يحصل هداية، حجكم غبي كغبائكم لا تولدون به ولادة جديدة ولا ترجمون شيطانا رجما حقيقيا تستفيقون بعده من حبائل مكره وعظم كيده.. دينكم رخيص وغفلة محروسة ورجما لكل حر يريد لكم خيرا ويسوق لكم وعيا.. يا أولاد الكلب.







