الحقيقة الواضحة، هي أن الحرب مع إيران لن تتوقف حتى يضمن الإسرائيليون تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وهذا لم يعد ممكنا بالعمل العسكري، لذا سيعملون على إسقاط النظام الحالي بالحصار والضغط الاقتصادي، أو التحريض على الانقسام الداخلي واستمالة طبقة من السياسيين، والمراهنة على الخلافات التي تتولد من استمرار التطويق الضغط السياسي والاقتصادي.
لحين حدوث الانشقاقات “المتخيلة” -أو المستهدفة- وفتح قنوات تعاون مع عناصر في رأس السلطة، فإن الإسرائيليين بموافقة ترامب يعملون على التوغل في لبنان وسوريا، للسيطرة على الطوق الشمالي الوارد في خريطة الحركة الصهيونية المقدمة لمؤتمر الصلح بباريس عام 1919، وهي نواة مكبرة لـ “إسرائيل الكبرى” بمعناها التوراتي والصهيوني.
لقد قطع الاحتلال الإسرائيلي شوطا كبيرا في جنوب لبنان وجزئيا في جنوب سوريا، ففي لبنان يستخدم ذات الأسلوب “الإبادي” – ويمكن القول الحضاري- بمسح العمران وتدمير القرى والمدن لتهجير السكان، وتخطي نهر الليطاني ومواصلة التدمير والتغول شمالا.
ولأن المقاومة اللبنانية التي تمتلك المسيرات الفعالة والصواريخ توقع الكثير من الخسائر اليومية التي يصعب تحملها؛ فالاحتلال غير قادر على مواصلة التوسع وتنفيذ حلم تغيير الخريطة بالقوة؛ لهذا كان التفكير الجنوني في التخطيط لضرب جنوب العاصمة اللبنانية والقفز إلى الأمام، لكن التهديد الذي أصدره الحرس الثوري بضرب الداخل الإسرائيلي والتلويح بإغلاق هرمز وباب المندب دفع ترامب للتدخل والتراجع، وهذا في حد ذاته يوضح حدود القوة الإسرائيلية والأمريكية المتآكلة، وأن تحولات عسكرية جديدة لا يمكن تجاهلها تعيد رسم الواقع الميداني.
الخطر الآن متعلق بسوريا رغم كل ما يصدر من تصريحات ودية من الرئيس الأمريكي عن المصالح الأمريكية، فهي جبهة شبه مجمدة في الوقت الحالي، ويوم تتوقف الحرب في لبنان أو تهدأ؛ فالساحة المتوقعة هي الجنوب السوري الغربي، والمقدمات تشير إلى النهايات، فالإصرار الإسرائيلي على عدم الاكتفاء بالجولان ثم احتلال جبل الشيخ والتوغل في القنيطرة وحتى غرب درعا يؤكد أن المعركة القادمة بعد لبنان، هي إخضاع دمشق. والأغلب أن يجرى تثبيت الاحتلال مع مواصلة الألاعيب الدبلوماسية والدعائية، مع العمل على منع تركيا من التقدم بوجودها العسكري إلى وسط سوريا.
إذا كسب ترامب معركة التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر ستتواصل الحروب الإسرائيلية، حتى لو غادر نتنياهو وجاءت حكومة جديدة، فكل الأحزاب الإسرائيلية تتشابه في أفكارها وبرامجها، وهي نسخة لا تختلف كثيرا عن بن غفير وسموترتش، أما إن حدث تغيير في واشنطن فربما تتغير الصورة بعض الشيء لالتقاط الأنفاس.


