اعاد قرار رئيس المجلس العسكري في النيجر عبدالرحمن تياني الانسحاب من محكمة الجنايات الدولية تسليط الأضواء علي رجل النيجر القوي والذي عرف بعدائه للمؤسسات الدولية التقليدية وعلي رأسها صندوق النقد والبنك الدوليين وأغلب منظمات الأمم المتحدة ومطالبتها المستمرة بانهاء الصلات الرسمية لبلاده مع هذه المؤسسات بشكل يعكس توجهًا سياسيًا جديدًا تتبناه السلطات العسكرية الحاكمة في نيامي.
ويعد عبدالرحمن تياني أحد أبرز القادة العسكريين الذين برزوا في منطقة الساحل الإفريقي خلال السنوات الأخيرة، بعدما قاد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد بازوم في يوليو 2023، ليتحول من قائد للحرس الرئاسي إلى الحاكم الفعلي للنيجر ورئيس المجلس الوطني لحماية الوطن.
وقد ولد تياني في ستينيات القرن الماضي، والتحق بالقوات المسلحة النيجرية في ثمانينيات القرن العشرين، وتدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح قائدًا للحرس الرئاسي عام 2011. وعلى مدار أكثر من عقد ظل من أكثر الشخصيات نفوذًا داخل المؤسسة الأمنية، حيث أوكلت إليه مهمة حماية الرؤساء المتعاقبين، ما منحه شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ داخل أجهزة الدولة.
التهديدات الأمنية في دول الساحل
وقد برز اسم تياني بصورة أكبر خلال السنوات التي شهدت تصاعد التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، سواء من الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش أو من جماعة بوكو حرام. وخلال تلك الفترة اكتسب سمعة باعتباره رجلًا قويًا داخل المؤسسة العسكرية وقادرًا على إدارة الملفات الأمنية المعقدة إلا أن النظام الصارم لم ينجح في كبح جماح المسلحين بشكل تام وهوما يؤكده الهجوم الأخير علي مطار نيامي .
وفي 26 يوليو 2023 قاد تياني انقلابًا عسكريًا أطاح بالرئيس محمد بازوم، مبررًا ذلك بفشل الحكومة في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصاديةبشكل موجة من الإدانات الدولية والعقوبات الإقليمية، خاصة من جانب المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا التي طالبت بإعادة النظام الدستوري.

ورغم المعارضة الدولية والاقليمية للانقلاب ضد بازوم إلا أن تياني تمكن من تثبيت أركان حكمه مستفيدًا من دعم قطاعات داخل الجيش والرأي العام المناهض للنفوذ الغربي بل ووثق صلاته علي دول الساحل في بوركينافاسو ومالي ..
ومنذ وصوله للسلطة انتهج تياني سياسة تقوم على تعزيز مفهوم السيادة الوطنية وتقليص الاعتماد على القوى الغربية التقليدية، خصوصًا فرنسا. وفي هذا السياق عززت النيجر علاقاتها مع كل من روسيا وبوركينا فاسو ومالي، وأسهمت في تأسيس تحالف دول الساحل الذي أصبح إطارًا سياسيًا وأمنيًا جديدًا للدول الثلاث التي تحكمها أنظمة عسكرية.
وفي هذا السياق يُنظر إلى قرارتياني الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، الذي أُعلن رسميًا في يونيو 2026، باعتباره امتدادًا لهذه السياسة. فقد قدمت النيجر إخطارًا رسميًا للأمم المتحدة للبدء في إجراءات الانسحاب، متهمة المحكمة بممارسة “العدالة الانتقائية” وعدم التعامل بالتساوي مع مختلف الدول والقضايا الدولية.
الانسحاب من الجنائية الدولية
وأكدت السلطات النيجرية في رسالة الانسحاب أن المحكمة لم تعد تعكس تطلعات الشعوب الإفريقية إلى العدالة، بل أصبحت – بحسب وجهة نظرها – أداة تخضع لتوازنات سياسية دولية وصورة من صور الاستعمار التقليدي ..
ويأتي هذا القرار في إطار توجه مشترك بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، حيث أعلنت الدول الثلاث سابقًا رغبتها في مغادرة المحكمة الجنائية الدولية، معتبرة أنها تمثل مؤسسة ذات طابع “استعماري جديد” وتتعامل بازدواجية مع القضايا المتعلقة بالقارة الإفريقية.
في المقابل، أثار القرار انتقادات منظمات حقوقية ودولية رأت أن الانسحاب قد يضعف آليات المحاسبة الدولية في منطقة تعاني من نزاعات مسلحة وانتهاكات لحقوق الإنسان. كما أكدت المحكمة الجنائية الدولية أن انسحاب النيجر لن يصبح نافذًا إلا بعد مرور عام من تاريخ الإخطار الرسمي، وأن الجرائم التي تقع قبل اكتمال الانسحاب تظل ضمن اختصاص المحكمة

فيما يرى مراقبون أن تياني يسعى من خلال هذه الخطوات إلى ترسيخ صورته كزعيم يدافع عن السيادة الوطنية ويرفض ما يعتبره تدخلاً خارجيًا في الشؤون الداخلية للبلاد.
كما يسعي تياني بشكل لافت لبناء شرعية سياسية جديدة تقوم على خطاب الاستقلال عن المؤسسات الغربية والإقليمية التقليدية، وهو النهج ذاته الذي تتبناه الأنظمة العسكرية الحاكمة في مالي وبوركينا فاسو.
ومع تعزيزتياني سلطته محاولا إعادة رسم توجهات النيجر الخارجية، يبقى التحدي الأكبر أمامه هو تحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي في بلد يواجه تهديدات مسلحة متصاعدة وأوضاعًا معيشية صعبة.
ومع ذلك، فإن قراراته الأخيرة، وعلى رأسها الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، تؤكد أن الرجل يمضي في مسار سياسي يهدف إلى إعادة تعريف علاقة النيجر بالمؤسسات الدولية وإبراز دورها كدولة تسعى إلى انتهاج سياسة أكثر استقلالية في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد


