بصراحة، أكثر ما يثير الاستغراب، بل السخرية أحيانًا، هو هذا التبسيط الذي يتحدث به البعض عن أن إيران «دولة هشة» أو «إمبراطورية من ورق» بسبب مقتل معظم قياداتها.
الموضوع أخطر بكثير من هذه القراءة السطحية. نحن اليوم لا نرى مجرد اختراق أمني تقليدي، بل أمام اختراق تكنولوجي مخيف. إيران نظام مغلق، أمني، عقائدي وطائفي، ومن المفترض نظريًا أنه من أصعب الأنظمة اختراقًا بشريًا، ومع ذلك حدث ما حدث. هذا يرجّح أن المسألة لم تعد تعتمد فقط على الجواسيس، بل على التكنولوجيا التي تسلّم البشر وبياناتهم وسلوكهم لمن يملك القدرة على تحليلها… وفي النهاية لمن؟ للولايات المتحدة، وبالتالي لإسرائيل.
اليوم لم تعد المعركة فقط طائرات وصواريخ، بل أصبحت أيضًا عبر أدوات مثل أنظمة الذكاء الاصطناعي (مثل Claude وChatGPT وأشباهها في التحليل)، وصور الأقمار الصناعية التجارية من شركات مثل Maxar وPlanet، وتحليل البيانات الضخمة، وأنظمة التتبع الرقمي عبر الهواتف والإنترنت، والبنية السحابية (Cloud) التي تخزن كمًا هائلًا من المعلومات، إضافة إلى أدوات استخبارات مفتوحة (OSINT) قادرة على ربط كل هذه المعطيات في وقت قياسي. هذه الأدوات مجتمعة تعطي قدرة غير مسبوقة على تحديد الأهداف، تتبع الأشخاص، التنبؤ بالحركة، واتخاذ القرار بسرعة هائلة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: إذا كانت دولة مثل إيران يمكن اختراقها بهذا الشكل، فماذا عن بقية دول العرب والمسلمين المفتوحة تقنيًا؟ بل ماذا عن أوروبا نفسها التي تعيش داخل نفس المنظومة التقنية وتعتمد عليها بشكل شبه كامل؟ ببساطة، قد نكون جميعًا، دون أن نشعر، داخل نطاق نفوذ استخباراتي واحد. عالم كامل مكشوف أمام من يملك هذه الأدوات، وليس فقط دول الشرق الأوسط. لكن الأسئلة الأهم تبقى: لماذا نجحت هذه الأدوات بشكل واضح في بيئات مثل إيران أو حزب الله، بينما تبدو أقل فاعلية نسبيًا مع الحوثيين؟ هل السبب طبيعة البيئة، أم قلة الاعتماد على التكنولوجيا، أم ضعف البنية الرقمية أصلًا؟ وماذا عن روسيا؟ هل نجت فعلًا من هذه الاختراقات أم أنها أيضًا تتعرض لها ولكن بطرق أقل وضوحًا؟
والسؤال الأخطر من كل ذلك: لماذا لا نرى توجهًا جديًا لبناء أنظمة أمن وتكنولوجيا مستقلة خارج نفوذ الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها؟ ما كشفته هذه الحرب أن العالم كله تقريبًا يعمل داخل منظومة تقنية واحدة مهيمن عليها، من أنظمة التشغيل إلى الأقمار الصناعية ومنصات الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أنك حتى لو امتلكت السلاح، قد لا تمتلك السيادة عليه، لأن البيانات والبنية التي تديره ليست بيدك. المفروض اليوم التفكير في بدائل حقيقية: أنظمة اتصالات مشفرة محلية، منصات ذكاء اصطناعي وطنية، تقليل الاعتماد على البنية الغربية، وبناء شبكات مستقلة كما تحاول الصين وروسيا وإن كانتا لا تزالان متأخرتين عن أمريكا. لكن هذا الطريق صعب ومكلف ويحتاج نفس طويل، وليس مجرد رد فعل مؤقت.
الخلاصة أن القضية ليست «إيران ضعيفة».. بل أن العالم كله أصبح مكشوفًا أكثر مما نتصور، وأننا دخلنا مرحلة قد يكون فيها أمن العالم بأسره على المحك، وليس فقط منطقتنا. التفوق الحقيقي لم يعد فقط في السلاح، بل في من يملك البيانات ويفهمها أولًا. والأخطر أن يتحول هذا التفوق إلى هيمنة كاملة تتحكم في قرارات الدول، وحتى في مصير القارات، بما فيها أوروبا التي لا أتمنى أن تجد نفسها يومًا تحت تأثير أو توجيه غير مستقل. والأهم أن الأمن في القرن القادم لن يكون عسكريًا فقط، بل رقميًا قبل كل شيء، ومن لا يمتلك سيادته التقنية سيظل مكشوفًا مهما امتلك من قوة على الأرض.







