لقد جعل الدكتور منير الغضبان سرية دار الأرقم بن أبي الأرقم دليل على سرية التنظيم، مبنيا فرضيته هذه على أن استخبارات قريش لم تصل إلى البيت وأنها لم تقم مرة واحدة بمداهمة هذا المقر السري للاجتماع، وأن غاية ما عرفته أن الاجتماع يتم بدار عند الصفا.
وبتفنيد هذه المبررات نتساءل:
أين بقية أركان التنظيم السري؟ وهل يتكون التنظيم السري من مقر فقط؟ وهل تتوفر التنظيمات السرية الحديثة على مقرات بالضرورة؟
إن أركان أي تنظيم سري:
1 – القيادة
2 – الأفراد أو الأعضاء
3 – المنهج
4 – الهدف
5 – الخطط
6 – التكليفات
7 – الهيكل التنظيمي
8 – أماكن التجمعات.
وبدراسة واقع السيرة النبوية في مرحلة جهرية الدعوة، نجد أن القيادة علنية في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن معظم الأفراد وهم المسلمون الأوائل معروفين، عدا المستضعفين المستخفين بإسلامهم وهم العدد الأقل من المسلمين، والمنهج هو القرآن الكريم وهو معلن ويحرص النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في كل مناسبة إسماعه لقريش، كما ورد في قصة عبد الله بن مسعود، وقصة فِناء دار أبي بكر الذي كان يقرأ فيه القرآن فتجتمع عليه قريش، وأما الهدف فهو التوحيد وهو هدف معلن منذ اليوم الأول، لا توجد خطط ولا تكليفات، فلم يكن من أهداف المرحلة المكية إقامة دولة سياسية في مكة المكرمة، وإنما دعوة الناس إلى الإسلام، ولا وجود لهيكل تنظيمي فلم نسمع عن تراتبية ما بين المسلمين الأوائل بحيث يمكن تحديد أمراء من المسلمين الأوائل بعضهم على بعض!
فهل سرية دار التجمع –وهي الركن الوحيد الذي لا تعتمده التنظيمات السرية المعاصرة حيث تتم اللقاءات غالبا في دور الأعضاء بالتناوب- دليل على وجود تنظيم سري؟
يضخم الدكتور منير الغضبان إذ يفترض وجود استخبارات لقريش، ولم تكن لمكة حكومة بالمعنى المفهوم، وإنما كان سادة القبائل في قريش يتداولون الأمور فيما بينهم، وربما كانت لهم عيون ترصد خطى المسلمين أو غيرهم، لكنهم لم يولوا أمر الدار التي يجتمع فيها المسلمون أهمية كبرى، ولو أنهم فعلوا، لو أن بعض تلك العيون ترصدت المسلمين الأوائل وكمنت لهم ليلة كاملة أو عدة ليال بالقرب للصفا لحسمت أمر دار الأرقم، لكنه لم يؤثر عنها أنها فعلت ذلك.
ويفترض دكتور منير أن هدفا ضخما من أهداف قريش كان مداهمة مركز تجمع المسلمين لكنها فشلت نتيجة سرية الدار، والحقيقة أنه لم يرد في كل مصادر السيرة أن تلك المداهمة قد وردت على بال قريش، وما الذي يلجئها إلى مثل هذه المداهمة؟ ألتحويلهم إلى المحاكمة العسكرية مثلا بتهمة التجمع أو تكوين تنظيم سري؟
إن اتهامات قريش للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانت واضحة ومحددة منذ بداية الجهر بالدعوة، متمثلة في مفارقة دين الآباء، وعيب الآلهة، ووتفريق شملهم، والتفريق بين المرء وزوجه وأهله، وتسفيه أحلامهم.
لم يكن بين التهم التجمع السري أو العلني، ولقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم بين ظهرانيهم يغشى مجالسهم، ويرتاد المسجد الحرام، ويقيم فيه للصلاة، وداره معروفة معلنة، وقد خاضت قريش معه المفاوضات على ترك دعوته، ولم يكن مستخفيا منهم، حتى لا يداهمونه إن أرادوا مداهمته إلا في مقره السري! ولو أرادت قريش أن تغتال محمدا وأصحابه لفعلت، لكن هذه لم تكن طريقة قريش، كان هدفهم هو فتنة المسلمين عن دينهم، والوسيلة هي الإيذاء والتعذيب الشديد، دون القتل، فلم يستشهد من المسلمين طيلة الفترة المكية إلا السيدة سمية زوجة ياسر أبي عمار.
حتى محاولات قتل سيدنا رسول الله، فقد تمت محاولتين فرديتين فاشلتين منها في صحن الكعبة وهو قائم يصلي أو ساجد، أما المحاولة الثالثة فكانت على رأس ثلاثة عشر عاما من البعثة، حيث تآمر قريش على مداهمة داره ليضربه من كل قبيلة رجل ضربة رجل واحد ليتفرق دمه بين القبائل وتعجز بنو هاشم عن ثأره، المحاولة التي باءت بالفشل على إثر خروجه صلى الله عليه وسلم للهجرة، ولذلك لا يمكن القول بأن الاغتيال أو المداهمة كانا من الأساليب المعتمدة والمعتادة لدى قريش.
غاية ما يمكن استنتاجه من سرية دار الأرقم، أنها محاولة لعدم استفزاز قريش استفزازا مضاعفا بإعلان تحدي العبادة، وتعليم المسلمين أصول دينهم.
هذا لا ينفي أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لجأ إلى الكتمان والسرية في بعض الخطوات، لحماية المستضعفين من المسلمين مثل الهجرة إلى الحبشة، أو للبحث عن أرض جديدة للدعوة، كما كانت بيعتا العقبة سرا، لكن سرية بعض الخطوات والإجراءت لا تعني سرية التنظيم، ولا تؤصل لشرعية إنشاء تنظيمات سرية داخل الأمة المسلمة والمجتمع المسلم، فما يلزم بالضرورة لحماية الدعوة الأولى في مهدها وإقامة المجتمع المسلم الأول وهي تتحرك داخل مجتمع مشرك معادي يتزعمه أبو جهل وأبو لهب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة وغيرهم، لا ينسحب بالضرورة على الحركات الإصلاحية التي تنشأ داخل مجتمع مسلم، خصومها فيه مناوئين لكنهم ليسوا مشركين ولا من عتاة الكفر.
المسلمون الأوائل كانوا مسلمين ودعاة ولم يكونوا حركة ولا تنظيم. حياتهم كلها كانت الإسلام.
أما استبعاد رأي منير الغضبان حول مفهوم سرية التنظيم سواء مع سرية الدعوة أو مع علنية الدعوة، فلأنه لم يأت عليه ببرهان ولا دليل لا من نص مقدس ولا من كتاب سابق، ولا هو حتى حاول التدليل على عنوان المرحلة التي عنون لها بسرية الدعوة والتنظيم. لم يحاول أن يستعرض لنا أركان هذا التنظيم السري وأدواته ومكوناته.
ولأنه ثانيا جاء كمصطلح بلا سابق اجتهاد من عالم آخر.
ثالثا أن الغضبان نفسه أراد أن يكون بحثه شبه مخصص لأبناء الحركة الإسلامية أو بالأحرى إلى أبناء التنظيمات المغلقة، فهو بحث تنظيمي حركي أشبه برسائل موجهة لأعضاء التنظيم، أكثر من كونه بحثا عاما في السيرة النبوية موجه لعموم المسلمين. وإلا كيف يقرأ المسلم الذي يؤدي الفرائض ويلتزم الجمع والجماعات ولا يلتزم بتنظيم معين عنوانا مثل سرية الدعوة والتنظيم؟ وماذا عليه أن يفعل ليقتدي بنبيه في مثل هكذا عنوان؟







