تعريف الفراغ الدعوي: هو الفجوة بين المأمول من إصلاح العقائد والعبادات والقيم والسلوك والأخلاق والمعاملات الإسلامية وبين واقع الأفراد والمجتمعات. وهو منطقة عمل المؤسسات الدعوية والدعاة لشغل هذا الفراغ.
المنابر المتاحة للمؤسسات والدعاة لشغل الفراغ الدعوي:
خطبة الجمعة
الدروس المسجدية
إذاعة القرآن الكريم
البرامج الدينية بالفضائيات
دروس التوعية ومحاضرات اليوتيوب
الكتب الدينية
منشورات دعوية على السوشيال ميديا
مقالات الصحف الدينية المتخصصة (الأزهر-منار الإسلام- منبر الإسلام- الفرقان).
أما مؤسسات الدعوة الإسلامية في المجتمع المصري فتنقسم إلى أربعة أقسام رئيسية هي الأزهر الشريف وروافده كدار الإفتاء ووزارة الأوقاف، التوجه السلفي بمدارسه المختلفة والمتعددة، الإسلام الحركي بجماعاته وتنظيماته، الطرق الصوفية.
يغلب على أداء المؤسسة الأزهرية الدعوي التوعية على حساب التربية والتكوين، بمعنى أن الأزهر وعلماءه ودعاته يقومون ببث الدعوة الإسلامية كخطب ومواعظ ودروس ومحاضرات وكتابات، تلقى في الفضاء العام دون محاولة الربط بين الداعية والجمهور، بحيث لا توجد علاقة تربوية ولا تقويمية يقوم بها الداعية تجاه المدعوين.
الاتجاه السلفي يعتمد في خطابه الدعوي على علاقة الشيخ بمريديه، وتعتبر دعوته أيضا من نوع الدعوة العامة وخاصة إلى سنن الهدي الظاهر، ولكن درجة ارتباط الشيخ بتلامذته أوثق من علاقة الأزهري بالجمهور، وعمدت بعض مدارس السلفية إلى إنشاء المعاهد الدينية لتحقيق ربط أعلى مع المدعوين، ومنها ما تحول إلى حزب سياسي لإيجاد مساحة من العمل الحركي داخل مؤسسات المجتمع.
الطرق الصوفية تيار واسع يوظف العاطفة الدينية للمصريين مع تعلقهم بأولياء الله الصالحين، وتشبث نسبة منهم بزيارة الأضرحة وإحياء الموالد المختلفة، ويمكن تقسيم الصوفية الطرقية إلى تيار عام ينحصر نشاطه على التعلق القلبي وزيارة أضرحة الأولياء في المناسبات، وحضور بعض الموالد.
وإلى طريقة ضيقة ترتبط بالشيخ ارتباط المريد، وهؤلاء يحرصون على حضور حلقات الذكر التي ربما تكون أسبوعية، والعلاقة بين الشيخ ومريديه علاقة وثيقة يقوم فيها الشيخ بالتربية والتوجيه وربما التكوين على قواعد الطريقة وأدبياتها.
أما تيار الحركة الإسلامية ويشغل الجزء الأكبر منه جماعة “الإخوان المسلمون” فهو تيار تربوي تكويني بامتياز. تقوم الدعوة داخل جماعة الإخوان على سبيل المثال على محورين رئيسيين المحور الأول هو المحور التربوي الدعوي الأخلاقي، والمحور الآخر هو المحور التنظيمي الحركي، في محاولة لإيجاد علاقة طردية تصاعدية بين المحورين. يقوم المحور التربوي الدعوي على تربية الفرد على عقائد وعبادات وأخلاق وسلوكيات ومعاملات الإسلام، اعتمادا على الوسائل والمنهج، أما المنهج فيعتمد على مختارات من القرآن الكريم تلاوة وحفظا وتفسيرا، ومختارات من الحديث النبوي حفظا وشرحا، ودراسة السيرة النبوية كاملة دراسة تستعرض الدروس والعبر، والحد الضروري من الفقه الذي يحتاجه المسلم، وربما دراسة مختصرة لعقيدة أهل السنة والجماعة. هذا هو المنهج أما الوسائل فتشمل لقاء الأسرة الأسبوعي، وتتكون الأسرة عادة من خمس أفراد يقودهم مسؤول يعرف بالنقيب، ثم الكتيبة وهي لقاء موسع يعقد كل أسبوعين يحضره عدد من الأسر، ويراعي في الكتيبة صيام النهار وقيام الليل وتلاوة القرآن ومحاضرة في التزكية أو التربية وخواطر حول الآيات، ثم رحلة خلوية شهرية يحضرها أفراد الكتيبة، ثم مخيم تربوي سنوي أو نصف سنوي يحضره أفراد كتيبة أو أكثر يكون لمدة أسبوع أو أقل قليلا يكون برنامجه اليومي مشابه لبرنامج الكتيبة. تهدف هذه الوسائل التربوية إلى تربية أفراد الجماعة على ممارسة العبادات والأخلاقيات والتعاملات الإسلامية مع صناعة علاقات أخوية متينة نتيجة المعايشة بين الأفراد، ويكون المسؤول التربوي بمثابة المربي والموجه والمرشد للأفراد، وهو حريص على تنميتهم علميا وسلوكيا وأخلاقيا، ناهيك عن الدروس والمحاضرات المسجدية وحفلات الإفطار الجماعي في المناسبات، وحفلات الأعراس بالمساجد والعقائق والولائم، كل تلك المناسبات والتجمعات تقوي العلاقة بين الداعية والمدعو وتجعل المدعو في رحلة تزكية وتكوين مستمرة منذ دخوله الجماعة إلى الممات!
تستغل جماعة الإخوان فترات السجن لأفرادها في تحويل تلك الفترات إلى مخيمات تربوية طويلة عبر صيام النهار وقيام أجزاء من الليل وتلاوة وحفظ القرآن وإقامة محاضرات التزكية والتربية وحلقات السمر الهادفة!
كل هذه الوسائل جعلت من عملية الدعوة لدى تيار الحركة الإسلامية عملية تربية وتكوين مستمر تصنع حالة فريدة من الانتماء والولاء للمربين والدعاة داخل الحركة.
بتلك الوسائل تفوقت الحركة الإسلامية على مؤسسات الدعوة الأخرى في عملية البناء الداخلي لمجتمعها، بعيدا عن مدى الاختلاف أو الاتفاق حول منهجها الفكري أو ممارساتها الحركية والسياسية، فهذا بعد آخر له دراساته المتخصصة.
حظر نشاط الحركة الإسلامية استتبعه بالضرورة تقليص دورها الدعوي التربوي التكويني إلى أضعف مستوياته أو القضاء عليه بالكلية -إلا ربما في السجون- هذا الغياب لدور الحركة الإسلامية الدعوي فاقم من مساحة الفراغ الدعوي في المجتمع، وذلك لعدة اعتبارات.
١- فقدت الدعوة الإسلامية ربع قوتها نظريا.
٢- يعتبر التيار الدعوي الحركي الأنشط والأكثر تغلغلا وتأثيرا لربطه بين الدعوة والحركة.
٣ – يعتبر كذلك التيار الدعوي الحركي الأعمق تأثيرا كونه المنهج الدعوي الوحيد الذي يربط بين الدعوة والتربية والتكوين المستمر.
ثمة إشكالية أخرى تواجه ملء الفراغ الدعوي المجتمعي تتمثل في فلسفة الصراع القائمة بين مؤسسات الدعوة آنفة الذكر، فالتوجه السلفي يرى في مؤسسة الأزهر مدرسة أشعرية غير جديرة بالقيام بعملية الدعوة، بينما يرى الأزهر في مجموع السلفيين تيارا وافدا على مصر غير أصيل لا يمثل عمقها الاجتماعي ينتمي في أغلبه إلى ثقافة بدوية صحراوية قاحلة، ثم يأتي الصراع مع الصوفية الطرقية حول ما يعرف بالبدع الشركية، الحركة الإسلامية قبل غيابها عن المشهد رأت في مؤسسة الأزهر مؤسسة علمية لا تمارس الحركة بالإسلام على الأرض، وفي الاتجاه السلفي تيار يهتم بالهدي الظاهر على حساب قضايا إسلامية كبرى، وربما أخذ على الصوفية الطرقية نفس مآخذ الاتجاه السلفي عليها.
حالة الصراع والتنافس جعلت من حركة كل قسم من أقسام الدعوة خصما من حركة القسم الآخر وبالتالي خصما من محصلة المجموع الدعوي، وتوسيعا لمساحة الفراغ الدعوي.
لا يمكن الباحث منصف أن يطالب بإقصاء قسم وإن اختلف معه اختلافا كليا في المنطلقات والأهداف، فكل قسم من هذه الأقسام الدعوية جعل لنفسه مكانا فوق الأرض، والحل لا يمكن أن يكون في الإقصاء وإنما في نبذ الصراع وقيام وضع من التكامل والتعاون على البر والتقوى والسكوت عن مساحات الاختلاف، والبحث عن قسم دعوي يؤدي الدور الدعوي التربوي التكويني الذي كان يؤديه التيار الحركي، مع تجنب الجانب الحركي المختلف عليه.
هل تستطيع مؤسسة الأزهر الدعوية أن تعيد بناء هذا الدور التربوي التكويني بتخريج دعاة ومربين مهمتهم الربط الخاص مع أفراد المجتمع في القرى والنجوع والمناطق والأحياء، وليكن مسجد القرية ومسجد الحي نواة لذلك المشروع؟
أم هل يعلن المربون والدعاة المنتمون للحركة الإسلامية في السجون تخليهم عن الجزء الفكري الحركي في المشروع ويطالبون بالخروج عبر المراجعات الفكرية ويؤسسون لمؤسسة دعوية تربوية تكوينية أجادوا توجيهها سابقا في ظل الحركة؟ إن مثل تلك المراجعات الفكرية لا تعني تجزئة الإسلام، ولكن تدعو إلى التخصص وهو قمة المؤسسية في العمل، وكل ميسر لما خلق له!
فهل يوجد لدى أجهزة الأمن رجل في مقام “اللواء أحمد رأفت” يثق في مثل هذه المراجعات الفكرية المنشودة ويتبناها؟
وهل يسمح نظام الحكم لمؤسسات الدعوة بالعمل على ملء الفراغ الدعوي بما يعود على المجتمع ومن ثم الوطن بالنفع العام في كافة المجالات؟
إن ملء الفراغ الدعوي يؤذن بالقضاء على الفساد ويحمي الأمن القومي والاجتماعي المصري.







