كل إنسان جاء الله به إلى الحياة لدور ما ومهمة يؤديها
هذا الدور يحتاج إلى إعداد وإمداد وتهيئة لشخصيته
الظروف الخاصة التي ينشأ فيها كل إنسان والأحداث الي يمر بها والتقدير التي يقدرها الله عليه هي التي تساهم في إعداده وتهيئته لأداء الدور القدري المرسوم له قدرا
أقوى مثال على ذلك شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ٠٠
أراد الله أن يولد يتيم الأب ثم في طفولته تتركه أمه وتموت ليصير يتيم الأبوين وهو لا يزال طفلا ٠
ما أصعبها من تجربة – حين يعيشها أحد نحزن رحمة به – لكنها زرعت في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم أكبر شجرة وفجرت أعظم نبع تنبع منه دعوته وتجري بل تسري سريان الماء في جداوله وهو نبع الرحمة
الذي لا يعطاه في شخصيته إلا عبد يجري الله الرحمة لعباده على يديه٠
إن الرسول صلى الله عليه وسلم عاش واحدا من الأيتام الذين يحتاجون إلى الرحمة لذا فقد أعطى الرحمة سجية منه وسخاء بها يجري منه جريان دمه في عروقه حتى إن القرآن ليهدئ من حزنه على الناس (فلا تحزن عليهم) (لعلك باخع نفسك)
ومن قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى لموسى عليه السلام (ولتصنع على عيني) ولا شك أن الله اصطنعه عبر أسباب وأحداث وظروف ومحن ونعم كذلك أثرت في موسى تأثيرا بالغا حتى طبعت في شخصيته صفات وطباع لابد منها لكل من يتحمل رسالة الله لخلقه
أما شخصية نبي الله يوسف عليه السلام فهذا مثال آخر قوي واضح من خلال السورة فهذه المحن التي عاناها بكل مرارتها هي التي صنعت شخصيته
وليس المحن وحدها بل منظومة الظروف والأحداث كلها مجتمعة
إن كل منا لو راجع مسيرة حياته لوجد كل أحداثها هي التي صنعت شخصيته وهذه الشخصية بكل تفاصيلها هي التي أدت وتؤدي هذه الأدوار التي يقوم بها في الحياة وهذه الأدوار مهما كانت فهي مهمة ومؤثرة في الحياة
هذه النظرة للظروف المقدرة التي ينشأ فيها الإنسان والأحداث والأقدار التي يقدرها الله عليه نظرة مهمة – في وجهة نظري –
تترتب عليها نتائج مهمة ربما تحل عقدا في حياة الإنسان أرجو أن أعرض منها ما استطعت بتوفيق الله
– فمنها أن الذين يعيشون مع الناس معاناتهم كالأطباء خصوصا الأطباء النفسيين يجدون بصيصا من نور يعينهم على تلمح الحكمة الإلهية في الابتلاءات والمحن والأمراض التي يقدرها الله على عباده
– ومنها أن الإنسان لا يضيع نعم الله عليه بلا قيام بدوره الذي تمكنه منه وتساعده عليه هذه النعم
كان معنا بطل مصارعة يردد أنه يجب عليه نصرة الضعيف وإلا سيسلب الله منه قوته ويمنحها لمن يؤدي شكرها بالقيام بدوره في نصرة الضعفاء بقوته
– ومن النتائج تبصير الإنسان وتنبيهه بالدور الذي يقوم به وربما يكون غافلا عنه
– ومنها أن الإنسان مهما كان ضعيفا في إمكانياته إلا أنه يمكن أن يقوم بشيء يمثل رسالة ودورا مهما في الحياة
– ومنها أن الإنسان غير مطالب بأن يخلق في نفسه قدرات ولا مواهب غير موجودة ولا لديه استعداد قدري لاكتسابها وانما مطالب بتفعيل أو استعمال ما أنعم الله عليه به
– ومنها أن الإنسان لا ينظر لغيره ولا يقلد غيره ولا يطالب نفسه بأن يكون شخصية أخرى غير التي قدرها الله وانما مطالب بأن يكون هو ولكن في حالة مستقيمة فاعلة فليس مطلوبا من كل إنسان أن يصير عالما متخصصا حتى يقبله الله وإنما أن يستعمل ما أنعم الله عليه به من استعداد لطلب العلم فإن كان يصل به إلى أعلى الدرجات العلمية فلا يقصر ولا يهمل أو يتكاسل وأما إن لم يكن لديه ملكة واستعدادات فطريا فليبحث عن مواهبه وقدراته التي انعم الله بها عليه ولابد
– ومنها أن الإنسان بالتالي لا يحسد أحدا فقد أعطاه الله ولم يحرمه
– ومنها أن الإنسان سيحسن توظيف الأحداث التي تمر به فبدلا من التضجر مما يكره سيعتبر ما يمر به دورة تدريبية تؤهله لدور ما أو للحياة عموما وبالتالي تؤهله للسكن في الجنة
وهذا معنى عظيم
اذكر أنني وقعت في بلاء لم يصبرني على تحمله الا أنني اعتبرته دورة لتعلم دروس معينة وقد كان والحمد لله
– ومنها أن الإنسان عندما يتوافق مع حكمة الله ومراده منه في البلاء لا يطول به البلاء قال الله تعالى عن ابراهيم واسماعيل عليهما السلام (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين وفديناه بذبح عظيم)
انتهى البلاء بمجرد استلهام العبرة وتنفيذ مراد الله
– ومنها أن الإنسان لا يتخلى عن الدور الذي أعده الله وأنعم عليه من أجله وسخر له أمورا وقدر له أقدارا كالداعية مثلا الذي هيأ الله له أمورا في حياته منذ ولادته ليجعل منه داعية مقبولا عند الله وعند الناس فإءذا به يريد أن يختار لنفسه دورا آخر غير الدعوة وربما يكون الدور الجديد لا ينفعه في الآخرة ولاهو مؤهل له وهنا يتغير مجرى حياته كلها كما في هذا المثال المتكرر الذي يبدأ فيه الداعية شابا أقبل على الله فأقبل الله عليه وهيأ له من الظروف ما يقيمه في طريق الدعوة حتى إذا استوى مال إلى دنيا الناس وترف المترفين ولم يرض بما قسم الله له فصرف هذه الطاقة التي ما أمده الله بها الا لما وجده مقبلا على الدعوة وربما هو الذي طلبها من أجل الدعوة وكذا هذه القدرات والمواهب فإذا به يريد أن يتحول ويستخدمها في طريق الدنيا ويركن بقلبه إليها فهنا يتغير الحال
كما تغير حال المثال الذي ضربه الله في القرآن (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين)
-:ومنها أن الإنسان لا يتطلع إلى غير ما أعده الله له وأمده من أجله قال الله تعالى لموسى عليه السلام ( ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين)
قال الله ذلك بعد أن علمنا درسا إذ طلب موسى عليه السلام رؤية ربه بعد أن ذاق مناجاته فأعلمه ربه بأنه لن يطيق رؤيته فقال موسى عليه السلام لما آفاق (تبت اليك) قالوا من سؤال ما لا طاقة لي به (وانا اول المؤمنين) بأن رؤيتك مستحيلة في الدنيا إذن كان الدرس المستفاد لا تتطلع إلى ما لا طاقة لك به وانظر إلى ما آتاك الله وخصك به دون غيرك – وكل انسان قد خصه الله بمواهب وميزه بها عن غيره – واشكر ربك بالعمل به غير متطلع إلى مالم يؤتك
والله اعلم
وربما أدى الحوار بيننا في ما ذكرت إلى مزيد تفصيل


