بينما تنشغل مدافع واشنطن في جبهات الشرق الأوسط بالتعبئة وسط هدنة بوساطة باكستانية تدخل يومها الثالث، ثمة معركة أخرى تدور رحاها خلف أبواب وزارة الخزانة الأمريكية.
كشفت الأرقام الأخيرة عن اتساع فجوة العجز المالي لتلامس مستويات مقلقة في توقيت جيوسياسي حرج.
إن الولايات المتحدة اليوم لا تحارب فقط لتأمين مصالحها الخارجية، بل تصارع لاحتواء نزيف داخلي في ميزانيتها الفيدرالية، حيث تلاقت طموحات الإعفاءات الضريبية مع تكاليف الإغاثة الطارئة وضغوط التمويل العسكري.
كل ذلك وضع البيت الأبيض أمام معادلة صفرية صعبة: كيف يمكن تمويل طموحات “ترامب” العسكرية والجمركية دون دفع الاقتصاد نحو هاوية الديون التي لا قاع لها؟
العجز يتجاوز التوقعات والضرائب هي المتهم الأول
أفصحت وزارة الخزانة الأمريكية في بياناتها الصادرة يوم أمس الجمعة، عن ارتفاع عجز الموازنة الفيدرالية خلال شهر مارس ليصل إلى 164 مليار دولار، مسجلاً زيادة قدرها 4 مليارات دولار (أي بنحو 2%) مقارنة بالفترة ذاتها من العام المنصرم.
وبخلاف التوقعات التي كانت تشير إلى أن المجهود الحربي هو المحرك الأساسي، كشفت البيانات أن “الانفجار الضريبي” هو المسؤول الأول؛ إذ أدت سياسات الإعفاءات الضريبية الجديدة للأفراد والشركات إلى قفزة في عمليات استرداد الضرائب، تزامناً مع زيادة مخصصات الإغاثة للمزارعين، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات بشكل أسرع من نمو النشاط الاقتصادي.
مخصصات الحرب تحت المجهر
في قراءة مفاجئة للموازنة الشهرية، لم تظهر النفقات العسكرية المرتبطة بالصراع الدائر مع إيران ثقلاً كبيراً خلال مارس، حيث زادت مخصصات الدفاع بنحو ملياري دولار فقط (3%) لتستقر عند 65 مليار دولار في الشهر الأول للحرب.
إلا أن وكالات الأنباء العالمية، ومنها “رويترز”، نقلت عن مسؤولين في الخزانة تحذيرات بأن هذا الهدوء هو “خداع محاسبي” مؤقت.
واشارت الى أن التكاليف الضخمة المتعلقة بإعادة تذخير الترسانة الصاروخية وتعويض مخزونات الأسلحة المستنزفة في المواجهات الجوية والبحرية ستظهر بقوة في كشوف الأشهر المقبلة، مما ينذر بقفزات فلكية في العجز مع استمرار المواجهة.
تراجع حصيلة “جمارك ترامب”
شهدت إيرادات الرسوم الجمركية انتكاسة ملحوظة بعد قرار تاريخي من المحكمة العليا الأمريكية قضى بإلغاء أوسع الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب بموجب قانون الطوارئ.
هذا التراجع التشريعي أدى إلى هبوط حصيلة الرسوم إلى 22.2 مليار دولار في مارس، مقارنة بـ 26.6 مليار في فبراير، وبعيداً عن مستويات الـ 30 ملياراً التي سجلتها الموازنة في أواخر العام الماضي.
ويرى خبراء في “وول ستريت جورنال” أن هذا التقلص في الإيرادات الجمركية يمثل طعنة في قلب السياسة المالية لـ “ترامب”، الذي كان يعول على هذه الرسوم لتمويل خفض الضرائب الداخلية، مما يضع الموازنة بين فكي كماشة: إيرادات متقلصة ومصروفات متزايدة.
عجز افتراضي يلامس ربع تريليون دولار
رغم أن الرقم المعلن للعجز هو 164 مليار دولار، إلا أن المحللين الماليين يدقون ناقوس الخطر بشأن “العجز الفعلي” المعدل؛ فبعد احتساب التعديلات المرتبطة بجدولة مدفوعات المزايا الاجتماعية، يتبين أن العجز الحقيقي في مارس كان من الممكن أن يصل إلى 250 مليار دولار.
وتعكس هذه الأرقام، التي أظهرت إجمالي مصروفات بقيمة 549 مليار دولار مقابل إيرادات بلغت 385 ملياراً، هشاشة الموقف المالي الأمريكي في ظل الحرب؛ حيث إن نمو المصروفات بنسبة 4% لا يزال يفوق قدرة الإيرادات على اللحاق بها، مما يعزز مخاوف وكالات التصنيف الائتماني من استدامة الدين العام في ظل بيئة تعاني من ضغوط تضخمية وتكاليف اقتراض مرتفعة.
جرس انذار
يؤكد الاقتصاديون في تقارير “بلومبرغ” أن ميزانية مارس هي “جرس إنذار” لإدارة ترامب؛ فالتوسع في الإعفاءات الضريبية تزامناً مع الدخول في نزاع عسكري مكلف هو مقامرة اقتصادية عالية المخاطر.
ويرى المحللون أن الاعتماد على مخزونات الأسلحة القديمة قد حمى ميزانية الشهر الأول من الحرب، لكن “فاتورة التعويض” القادمة ستكون باهظة جداً، خاصة مع فقدان جزء كبير من إيرادات الرسوم الجمركية بقرار قضائي، مما قد يدفع العجز الفيدرالي نحو مستويات قياسية بنهاية العام المالي، ويزيد من احتمالية نشوب صدام بين البيت الأبيض والكونجرس حول سقف الدين.


