الكتاب: في مدح الكسل ومقالات أخرى
العنوان الأصلي: In Praise of Idleness and Other Essays
تأليف: برتراند راسل، الفيلسوف البريطاني وعالم المنطق والرياضيات
ترجمة: رمسيس عوض
الجهة الناشرة: المركز القومي للترجمة، جمهورية مصر العربية
الفكرة العامة للكتاب
يجمع هذا الكتاب مجموعة من المقالات الفكرية التي تكشف جانبًا مهمًا من تفكير برتراند راسل الاجتماعي والسياسي.
ينطلق العمل من نقد عميق للأفكار الأخلاقية الموروثة حول العمل والإنتاج، ثم يتوسع في مناقشة قضايا الحرية السياسية والديمقراطية، قبل أن ينتقل إلى تقديم لوحات تحليلية لشخصيات فكرية وأدبية عاصرها راسل.
تتشكل من هذه المقالات رؤية متماسكة ترى أن تقدم الحضارة الحديثة يقتضي إعادة النظر في تنظيم العمل الاجتماعي وفي القيم التي تحكم الحياة السياسية والفكرية.
وفي القسم الأخير يضاف نص للعالم جوليان هكسلي يناقش قضية تحديد النسل بوصفها تحديًا بيولوجيًا واجتماعيًا يواجه الإنسان الحديث.
المحاور الأساسية للكتاب
1- مدح الكسل وإعادة التفكير في أخلاقيات العمل
يفتتح راسل الكتاب بمقالة تضع القارئ أمام أطروحة صادمة قياسًا إلى الأخلاق الاجتماعية الشائعة.
ينطلق من ملاحظة بسيطة مفادها أن المجتمع الحديث ما زال يخضع لفكرة أخلاقية قديمة تمجد العمل الشاق بوصفه فضيلة في ذاته.
وقد ترسخت هذه الفكرة عبر قرون طويلة حين كانت المجتمعات تعتمد على عمل الطبقات الدنيا لإنتاج الضروريات.
يرى راسل أن هذه الأخلاق فقدت مبررها التاريخي في العصر الصناعي.
فالآلة والتكنولوجيا رفعت القدرة الإنتاجية إلى مستوى يسمح بتوفير حاجات المجتمع بجهد أقل بكثير مما كان مطلوبًا في الماضي.
ومع ذلك يستمر المجتمع في فرض ساعات عمل طويلة، بينما يعيش جزء من الناس في بطالة قسرية، ويظل جزء آخر مثقلًا بعمل مرهق.
ينتج عن هذا التناقض شكل من الهدر الاجتماعي. فبدل توزيع العمل على الجميع بشكل متوازن يجري إرهاق فئة من الناس وحرمان فئة أخرى من العمل.
يقترح راسل تصورًا مختلفًا لتنظيم الحياة الاقتصادية.
فإذا جرى توزيع العمل الضروري على أفراد المجتمع بعدالة فإن بضع ساعات يوميًا تكفي لتوفير حاجات الجميع. ويصبح باقي الوقت متاحًا للراحة أو للتعلم أو للإبداع الفني والعلمي.
في هذا السياق يستعيد راسل التاريخ الثقافي للحضارة.
فقد ازدهرت الفلسفة والفنون والعلوم في الفترات التي امتلك فيها بعض الناس وقت فراغ يسمح بالتأمل والبحث.
ويرى أن تعميم وقت الفراغ على نطاق واسع يمكن أن يفتح المجال أمام ازدهار ثقافي غير مسبوق.
هكذا تتحول فكرة الكسل في مقاله إلى دعوة لإعادة توزيع العمل وإعطاء الإنسان فرصة لحياة عقلية وثقافية أوسع.
2- الدفاع عن الديمقراطية من منظور علمي
ينتقل راسل في المقالة الثانية إلى قضية سياسية وفكرية هي مكانة الديمقراطية في العصر الحديث.
يلاحظ أن كثيرًا من المجتمعات في زمنه بدأت تفقد ثقتها في النظام الديمقراطي، خاصة مع صعود الأنظمة الشمولية التي قدمت نفسها بوصفها أكثر قدرة على الحسم والتنظيم.
يبني راسل دفاعه عن الديمقراطية على مقارنة بين منهجين في التفكير.
الأول هو المنهج العلمي الذي يقوم على التجربة والنقد المستمر والاعتراف بإمكان الخطأ. والثاني هو التفكير العقائدي الذي يدعي امتلاك الحقيقة النهائية ويطالب الجميع بالخضوع لها.
يبيّن راسل أن الأنظمة السياسية التي تنطلق من يقين عقائدي تميل إلى قمع المعارضة، لأن أي اختلاف في الرأي يُعد تهديدًا للحقيقة المعلنة.
أما الديمقراطية فتنطلق من الاعتراف بأن المعرفة البشرية محدودة وأن الآراء تحتاج دائمًا إلى مراجعة ونقاش.
من هنا تصبح حرية التعبير جزءًا من البنية المعرفية للمجتمع.
فالنقاش العام يتيح تصحيح الأخطاء وتعديل السياسات، بينما يؤدي القمع الفكري إلى تجميد المجتمع وإضعاف قدرته على التقدم.
ويتناول راسل أيضًا الجانب النفسي للديكتاتورية. فالمجتمعات التي تعيش القلق وعدم الاستقرار تميل أحيانًا إلى البحث عن زعيم قوي يمنحها شعورًا بالأمان.
غير أن هذا الميل يفتح الباب أمام أنظمة تقضي على الحرية الفكرية والعلمية.
ويخلص إلى أن الديمقراطية، رغم ما يعتريها من بطء في اتخاذ القرار، توفر الإطار الوحيد الذي يسمح بتطور المعرفة الإنسانية واستمرار البحث الحر.
3- عظماء في حياة برتراند راسل
يقدم هذا الجزء مجموعة من المقالات السيرية التي يتحدث فيها راسل عن شخصيات فكرية وأدبية عرفها عن قرب.
وتتحول هذه الصور الشخصية إلى وسيلة لتحليل أنماط مختلفة من التفكير في الثقافة الحديثة.
هـ. ج. ويلز
يعرض راسل شخصية الكاتب الإنجليزي هـ. ج. ويلز بوصفه مثالًا للمفكر الذي جمع بين الخيال العلمي والطموح الاجتماعي.
كان ويلز يؤمن بأن المجتمع يمكن أن يُدار بواسطة نخبة من الخبراء والعلماء القادرين على التخطيط العلمي للحياة الاجتماعية.
يرى راسل أن هذا التصور يحمل ميلًا إلى التقليل من قيمة الديمقراطية.
فالاعتماد المفرط على سلطة الخبراء قد يؤدي إلى تبرير أنظمة استبدادية تتجاهل حرية الفرد.
د. هـ. لورنس
يتناول راسل الكاتب ديفيد هربرت لورنس بوصفه صاحب رؤية أدبية تحتفي بالغريزة والعاطفة العميقة.
كان لورنس يعتقد أن الحضارة الحديثة أضعفت الروابط الغريزية بين الإنسان والطبيعة.
غير أن راسل يرى في هذا التمجيد للغرائز خطرًا فكريًا، لأن رفض العقل والتحليل قد يفتح الطريق أمام فلسفات سياسية تمجد القوة.
جورج برنارد شو
يتحدث راسل عن الكاتب المسرحي جورج برنارد شو الذي عُرف بذكائه الساخر ونقده للمجتمع الفيكتوري.
إلا أن راسل يشير إلى أن شو كان يميل أحيانًا إلى الإعجاب بالقادة الأقوياء وبالأنظمة السياسية التي تعد بالفعالية والتنظيم.
ويرى أن هذا الميل يعكس إغراء القوة السياسية الذي قد يجذب بعض المفكرين حتى عندما تتعارض هذه القوة مع الحرية الإنسانية.
ألفريد نورث هويتهد
يخصص راسل مقطعًا مهمًا لشريكه في تأليف كتاب مبادئ الرياضيات.
يصفه كشخصية علمية رصينة تجمع بين الدقة الرياضية والهدوء الفكري.
ويشير إلى أن التعاون بينهما كان مثمرًا في مجال المنطق الرياضي، رغم اختلاف اتجاهاتهما الفلسفية لاحقًا.
جوزيف كونراد
يصف راسل الروائي جوزيف كونراد بوصفه كاتبًا يمتلك حسًا مأساويًا عميقًا تجاه الطبيعة البشرية.
تكشف رواياته عن شعور دائم بالقلق إزاء القوى الغامضة التي قد تدفع الإنسان نحو الجنون.
وقد وجد راسل في أدب كونراد تصويرًا حادًا للهشاشة الأخلاقية للحضارة.
جورج سنتيانا
يتناول الفيلسوف جورج سنتيانا الذي اتسم تفكيره بميل تأملي هادئ.
كان سنتيانا يميل إلى مراقبة الحياة من مسافة فكرية، مع اهتمام بالجماليات الفلسفية أكثر من الانخراط في الصراعات السياسية.
يرى راسل أن هذا الموقف يمنح فلسفة سنتيانا طابعًا تأمليًا أنيقًا، لكنه يبتعد عن القضايا العملية التي تشغل المجتمعات الحديثة.
سيدني وبياتريس ويب
يعرض راسل أيضًا تجربة الزوجين ويب اللذين كانا من أبرز دعاة الاشتراكية الفابية في بريطانيا.
يصف منهجهما بأنه يعتمد على التخطيط الإداري وجمع البيانات الاجتماعية.
غير أن إعجابهما بالنظام السوفيتي يثير انتقاد راسل، لأنه يعكس ثقة كبيرة في التخطيط المركزي مع إهمال قيمة الحرية الفردية.
4- تحديد النسل والتحدي الديموغرافي الحديث
(جوليان هكسلي)
يضم القسم الأخير مقالتين للعالم جوليان هكسلي تتناولان مسألة النمو السكاني.
يبدأ هكسلي بعرض تاريخي لنظرية مالتوس التي حذرت من التفاوت بين تزايد السكان ونمو الموارد.
ثم يتتبع تطور النقاش حول هذه الفكرة في القرنين التاسع عشر والعشرين.
يرى هكسلي أن التقدم الطبي والصناعي خفّض معدلات الوفيات بصورة كبيرة، وهو إنجاز إنساني مهم.
غير أن هذا النجاح يخلق مشكلة جديدة إذا لم يرافقه تنظيم واعٍ لمعدلات الإنجاب.
ويقدم تشبيهًا بيولوجيًا يوضح فكرته. فالجسم الحي يظل متوازنًا عندما تنظم خلاياه عملية النمو.
وإذا فقدت هذه السيطرة يتحول النمو إلى ظاهرة مرضية تشبه الورم السرطاني.
انطلاقًا من هذا التصور يرى هكسلي أن المجتمع البشري يحتاج إلى سياسات عقلانية لتنظيم الإنجاب.
فالتوازن بين عدد السكان والموارد شرط أساسي لتحسين مستوى الحياة والتعليم والصحة.
ويرى أن تحديد النسل يمثل خطوة ضرورية في مسار تطور الحضارة، لأنه يسمح بالانتقال من التركيز على زيادة الأعداد إلى تحسين نوعية الحياة الإنسانية.


