حين انفجرت قضية Jeffrey Epstein في الولايات المتحدة، لم تهز فقط المؤسسة القضائية والإعلامية هناك، بل أعادت طرح سؤال عالمي: لماذا تظهر مثل هذه الشبكات إلى العلن في بعض المجتمعات بينما تبدو غائبة في أخرى؟
دول العالم النامى أو المتخلفة – على الأقل في المجال العام – تبدو وكأنها “خالية” من فضائح استغلال كبرى مماثلة.
لكن خبراء في علم الاجتماع السياسي والإعلامي يؤكدون أن الغياب الظاهري لا يعني عدم وجود الشبكات، بل يعكس اختلاف طريقة إدارتها مؤسسيًا وثقافيًا.
التقرير التالى- ضمن سلسة ” الأمة ” عن قضية ابستين- لا يبحث عن قضايا بعينها، بل يسأل: لماذا تعمل شبكات النفوذ المرتبطة بالجنس والابتزاز في بعض الدول النامية بصمت؟ ولماذا نادرًا ما تتحول إلى فضائح علنية؟ وما علاقة ذلك بمركزية السلطة، وبنية الإعلام، وثقافة العار، ونمط القضاء؟
الجزء الخامس
مركزية السلطة.. عندما تتحول القضايا إلى ملفات أمنية
في أنظمة سياسية ذات مركزية عالية، القضايا الحساسة – خصوصًا المرتبطة بالنخب – لا تُدار كملفات جنائية عادية، بل كملفات أمن قومي.
تقارير صادرة عن مراكز ابحاث ( International Crisis Group وCarnegie Middle East Center ) تشير إلى أن العديد من دول العالم الثالث، تميل إلى احتواء الفضائح داخل مؤسسات مغلقة بدلا من تحويلها إلى محاكمات علنية، والهدف ليس فقط حماية الأفراد، بل حماية صورة الدولة واستقرار مزعوم للنظام.
الخبير في علم السياسة المقارن الدكتور ستيفن هايدمان يشرح: “في الأنظمة المركزية، الفضيحة ليست حدثًا اجتماعيًا.. بل تهديد سياسي، لذلك تُدار خلف الأبواب المغلقة،” وبهذا المعنى، القضية لا تختفي، بل يعاد تصنيفها.

الجنس كسلاح ابتزاز.. فعاليته في المجتمعات المحافظة
في المجتمعات التي ترتبط فيها السمعة بالشرف العائلي والاجتماعي، يتحول الجنس إلى أداة ابتزاز ذات قوة مضاعفة.
دراسات في علم الاجتماع الثقافي نشرتها مراكز بحثية مرتبطة بـ Brookings Institution – مؤسسة بروكينز البحثية بأمريكا- تشير إلى أن المجتمعات المحافظة تخلق بيئة يكون فيها التهديد بالفضيحة الجنسية أقوى من التهديد القانوني نفسه.
الخبيرة في دراسات النوع الاجتماعي الدكتورة نادين نبر توضح: ” في المجتمعات المحافظة، الفضيحة لا تسقط الفرد فقط.. بل تسقط عائلته، لذلك يصبح الصمت آلية دفاع جماعية.”
هذه البنية تجعل الضحية – وأحيانًا حتى الشهود – شركاء في الصمت بدافع الحماية الاجتماعية.
غياب ثقافة الاعتراف العلني
في الغرب، تطورت خلال العقود الأخيرة ثقافة الاعتراف العام (MeToo نموذجًا)، حيث أصبح الكلام العلني فعلًا مشروعًا اجتماعيًا.
في المقابل، تشير دراسات اجتماعية من جامعات إقليمية ومراكز أبحاث إلى أن الاعتراف العلني في الشرق الأوسط على سبيل المثال، غالبًا ما يُقرأ كفضيحة شخصية، لا كفعل شجاعة مدنية.
وتقرير بحثي صادر عن Arab Barometer أظهر أن نسبة كبيرة من المستطلعين في عدة دول عربية ترى أن “السمعة الاجتماعية” أهم من اللجوء إلى القضاء في القضايا الأخلاقية.
والنتيجة: الصمت لا يُنظر إليه كضعف.. بل كتصرف حكيم.
إعلام يعتمد التسويات بالدول المتخلفة
الإعلام في كثير من دول المنطقة يعمل ضمن حدود سياسية وقانونية صارمة، خاصة فيما يتعلق بالنخب الاقتصادية والسياسية.
تقارير Reporters Without Borders توثق مستويات متفاوتة من القيود على الصحافة الاستقصائية في بعض الدول المتخلفة ودول العالم النامى، خصوصًا في الملفات الحساسة.
الصحفي الاستقصائي اللبناني رامي خوري يصف الوضع قائلًا: “المشكلة ليست في غياب الصحفيين.. بل في غياب الحماية المؤسسية لهم.”
أما القضاء، ففي بعض الحالات يعتمد على تسويات غير علنية لتجنب التصعيد السياسي أو الاجتماعي، هذه التسويات تُغلق الملفات قانونيًا الى حد كبير، وهنا تتحول العدالة- ببعض الدول المتخلفة – إلى إدارة أزمة.
لماذا الصمت لا يعني الغياب؟
الخطأ التحليلي الشائع هو افتراض أن قلة الفضائح العلنية تعني قلة الجرائم.، علماء الاجتماع يحذرون من هذا الاستنتاج.
فالصمت في الأنظمة المحافظة والمركزية لا يدل على النظافة، بل على فعالية آليات الاحتواء.
والخبير في علم الاجتماع السياسي عزمي بشارة كتب في تحليلاته حول الدولة والمجتمع أن: “السلطة لا تمنع الفساد دائمًا، لكنها قد تنجح في منعه من التحول إلى خطاب عام.،” وبمعنى آخر: الشبكة قد تكون موجودة، لكنها لا تتحول إلى قصة.
قضية إبستين كمرآة مقارنة
قضية إبستين لم تكن استثناءً أخلاقيًا أمريكيًا، بل مثالًا على ما يحدث حين تتقاطع ثلاثة عوامل: صحافة استقصائية مستقلة، وقضاء قادر على فتح الملفات، وثقافة عامة تقبل الاعتراف.، وفي غياب هذه العناصر، تبقى الشبكات موجودة لكن غير مرئية.
احيانا.. الشبكة لا تنكشف.. بل تُدار
دول العالم النامى والمتخلفة ليست خالٍية من شبكات استغلال أو ابتزاز كالذى كشف فى امريكا ودول غربية، ولكن بنيتها السياسية والاجتماعية تجعل هذه الشبكات تُدار بصمت بدل أن تنفجر كفضائح، فالصمت هنا ليس دليل براءة، بل دليل إدارة.
في المجتمعات التي تُقدّس السمعة، وتخشى الفوضى، وتضع الاستقرار فوق الشفافية، تتحول القضايا من ملفات عامة إلى أسرار مؤسسية.
ولهذا فإن الحقيقة الأكثر إزعاجًا ليست ما يُكشف، بل ما يُدار بحيث لا يُكشف.، وفى دول العالم النامى والمتخلف، الشبكة لا تنكشف، بل تُدار بصمت.
يُتبع


