لم تعد الهجرة غير النظامية عبر بحر المانش مجرد أرقام تعلنها وزارة الداخلية البريطانية مع نهاية كل عام، بل تحولت إلى مرآة تعكس فشلًا سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا متراكمًا في إدارة واحدة من أعقد قضايا القرن الحادي والعشرين.
فمع تسجيل وصول أكثر من 41 ألف مهاجر إلى المملكة المتحدة خلال عام 2025، تتجدّد الأسئلة حول جدوى السياسات الردعية، ومسؤولية أوروبا عن أزمات الجوار، وحدود الأخلاق في التعامل مع بشر دفعهم الفقر والحرب وانسداد الأفق إلى ركوب أخطر طريق بحري في القارة.
أرقام تتجاوز الإحصاء: ماذا يعني 41 ألف مهاجر؟
يمثل هذا الرقم- كما تداول خلال الايام الماضية بصحف ووكالات اجنبية- واحدًا من أعلى معدلات العبور عبر المانش منذ بدء رصد الظاهرة بشكل منتظم بعد عدد المهاجرين فى عام 2022 الذى تجاوز الحالى بما يقرب اربعة آلاف مهاجر.
ويعكس ذلك استمرار نشاط شبكات تهريب البشر رغم التشديد الأمني – والذى تركز عليه دائما وزارة الداخلية البريطانية ونشر موقع الأمة تصريحاتها الجمعة الماضى، وتصاعد دوافع الهجرة من مناطق النزاع والفقر، وفشل الاقتصاد العربى والافريقى فى توفير حياة كريمة للمواطنين، وفشل الاتفاقات الثنائية في كبح التدفقات البشرية.
وبحسب متابعين للملف، فإن الرقم لا يشمل فقط من وصلوا، بل يرمز إلى آلاف المحاولات الفاشلة وحوادث الغرق غير المعلنة، ما يجعل البحر شاهدًا صامتًا على مأساة إنسانية مستمرة.

لماذا المانش؟ الجغرافيا حين تتحول إلى فخ
يُعد بحر المانش واحدًا من أكثر الممرات المائية ازدحامًا وخطورة في العالم، ومع ذلك أصبح خيارًا اضطراريًا لآلاف المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط، إفريقيا، وجنوب آسيا.
ويرى خبراء هجرة أن تشديد الحدود البرية والمطارات الأوروبية دفع المهاجرين نحو البحر، حيث تتحكم عصابات التهريب في المصير مقابل مبالغ طائلة، غالبًا ما تمثل مدخرات عمر كامل.
السياسة البريطانية.. الردع بدل الحل
اعتمدت الحكومات البريطانية المتعاقبة على خطاب يقوم على، وقف القوارب، وتشديد العقوبات، وترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة.
لكن الواقع يشير إلى أن السياسات الأمنية لم توقف الظاهرة، بل أعادت تشكيلها بطرق أكثر خطورة.
ويؤكد محللون أن التركيز على الردع دون معالجة الجذور الاقتصادية والسياسية للهجرة يحمل كلفة إنسانية أعلى دون نتائج مستدامة.

الاقتصاد في قلب الأزمة.. بريطانيا بين الحاجة والرفض
مفارقة لافتة تفرض نفسها في هذا الملف، إذ تواجه بريطانيا نقصًا في العمالة بقطاعات الزراعة والرعاية الصحية والخدمات، وشيخوخة سكانية متسارعة، وتباطؤًا اقتصاديًا يحتاج إلى قوة عمل جديدة.
ورغم ذلك، يُقدَّم المهاجر في الخطاب العام كـ عبء اقتصادي، لا كفرصة محتملة.
ويشير اقتصاديون إلى أن الهجرة غير النظامية هي نتيجة لفشل تنظيم الهجرة النظامية، لا سببًا للأزمة الاقتصادية.
البعد الإنساني.. قصص نجاة على حافة الموت
وراء كل قارب قصة، ووراء كل رقم إنسان، وأطفال هاربون من الحروب، وشباب فقدوا الأمل في أوطانهم، وعائلات فرّقتها الحدود والاقتصاد والسياسات.
وحذرت منظمات انسانية من تطبيع مشاهد الموت في البحر، معتبرة أن استمرار الأزمة دون ممرات آمنة وقانونية يعني قبولًا ضمنيًا بسقوط مزيد من الضحايا.

الأزمة أكبر من القوارب
خبراء في شؤون الهجرة الدولية يؤكدون: “الهجرة عبر المانش ليست أزمة حدود، بل أزمة نظام عالمي غير عادل يعيد إنتاج الفقر والصراعات ثم يغلق الأبواب أمام ضحاياه”.
وأشاروا الى أن: “ بريطانيا وأوروبا تحتاجان إلى المهاجرين اقتصاديًا، لكن الخطاب السياسي يستخدمهم كأداة انتخابية، ما يخلق فجوة بين الواقع والقرار”.
وقال مسؤول سابق في منظمة إنسانية أوروبية: ” كل سياسة لا تضع سلامة الإنسان في المقدمة ستفشل مهما بلغت قوتها الأمنية”.
أوروبا شريك في الأزمة لا مجرد مراقب
لا يمكن فصل ما يحدث في المانش عن سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه اللجوء، ودعم أنظمة غير مستقرة في دول المصدر، وغياب تنمية حقيقية في مناطق الطرد السكاني.
ويرى محللون أن الهجرة هي أحد أعراض اختلال النظام الدولي، وليست استثناءً أو طارئًا.

إلى أين تتجه قوارب المانش؟
وصول أكثر من 41 ألف مهاجر إلى بريطانيا في عام واحد ليس حدثًا عابرًا، بل إنذارًا سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا.،
فالمانش لم يعد مجرد بحر يفصل بين ضفتين، بل خط تماس بين عالمين: عالم يغلق حدوده باسم السيادة، وآخر يفرّ من الموت بحثًا عن حياة.
وما لم تتحول السياسات من إدارة الأزمة إلى حل جذري يعالج الأسباب لا النتائج، ستستمر القوارب في الإبحار، وسيبقى البحر شاهدًا على عجز العالم عن حماية الإنسان.
المصدر: رويترز- وكالات- ترجمة






