تتجه سيول نحو فرض قيود قانونية وتدابير مشددة لحماية التكنولوجيا المتقدمة وأسرار صناعة الرقائق الإلكترونية، في تحول استراتيجي يجعل من التفوق التكنولوجي قضية أمن قومي لا تقبل المساومة.
وتأتي هذه الخطوة مدفوعة بالموقع المحوري لأشباه الموصلات في الاقتصاد العالمي، حيث تدخل في كافة المجالات من الهواتف الذكية والسيارات إلى الأنظمة العسكرية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وهو القطاع الذي تمتلك فيه الشركات الكورية خبرات رائدة عالمياً، خاصة في رقائق الذاكرة.
مخاوف سيول وديناميكيات المنافسة
تخشى الحكومة الكورية الجنوبية من تسرب المعرفة والخبرات التقنية الدقيقة إلى منافسين أجانب، في ظل التنافس المحموم بين الولايات المتحدة والصين على السيطرة على سلاسل إمداد التكنولوجيا.
ويعكس هذا التوجه تغيراً عميقاً في مفهوم التجسس الصناعي؛ فبعد أن كان يقتصر على سرقة الوثائق والأسرار التجارية، أصبح انتقال مهندس أو باحث يحمل معرفة متقدمة كفيلاً بالتأثير على موقع دولة بأكملها في الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، ذكرت وكالة رويترز أن سيول تعمل على إنشاء نظام لتتبع المهندسين المتخصصين في التقنيات الأساسية، في محاولة للحد من هجرة الأدمغة التي قد تؤدي إلى تآكل الميزة التنافسية للبلاد.
وأوضحت الوكالة أن هذه الإجراءات تأتي استجابة لتقارير تشير إلى محاولات متكررة من قبل شركات أجنبية لاستقطاب الكفاءات الكورية بمرتبات ومزايا مغرية للحصول على أسرار التصنيع.
الموازنة بين التحالفات
تجد كوريا الجنوبية نفسها في وضع جيوسياسي دقيق؛ فهي حليف استراتيجي للولايات المتحدة وتعتمد على تكنولوجيتها ومعداتها في التصنيع، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات تجارية وثيقة مع الصين، التي تعد أكبر سوق لمنتجاتها من أشباه الموصلات.
ولذلك، فإن حماية التكنولوجيا لا تنفصل عن السياسة الخارجية، حيث تسعى سيول للموازنة بين الالتزام بالقيود الأمريكية على تصدير التقنيات المتقدمة إلى الصين، وبين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية الحيوية.
ونقلت صحيفة ” وول ستريت جورنال ” عن مسؤولين كوريين قولهم إن “حماية الملكية الفكرية هي مسألة حياة أو موت لصناعة الرقائق في البلاد”، مؤكدين أن التدابير الجديدة تهدف إلى ضمان عدم استخدام التكنولوجيا الكورية لتقويض الأمن القومي للدولة أو حلفائها، مع الحفاظ على تدفق التجارة المشروعة.
التسابق العالمي
تأتي الإجراءات الكورية المشددة في وقت تتسابق فيه القوى الكبرى لبناء سلاسل إمداد أكثر أماناً واستقلالية للرقائق. فالولايات المتحدة تقدم حوافز ضخمة لدعم التصنيع المحلي، وأوروبا تسعى لزيادة قدراتها الإنتاجية، بينما تستثمر الصين بكثافة لتطوير صناعة محلية تقلل اعتمادها على الخارج.
ووفقاً لتقرير نشرته وكالة “بلومبرغ”، فإن هذا التسابق العالمي يخلق ضغوطاً متزايدة على الدول الرائدة مثل كوريا الجنوبية وتايوان لحماية أسرارها التكنولوجية ومنع انتقالها إلى المنافسين.
مخاطر التشدد
لكن سياسة التشدد تحمل في طياتها مخاطر أيضاً؛ فالحماية المفرطة قد تعيق حركة الباحثين والاستثمارات، وتحد من التعاون الدولي الذي ساهم تاريخياً في تطور صناعة أشباه الموصلات.
وفي هذا الصدد، حذر جون نيوفر، رئيس جمعية صناعة أشباه الموصلات (SIA)، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية (AFP)، من أن “القيود المفرطة قد تؤدي إلى عزل الصناعة الوطنية وتآكل قدرتها على الابتكار على المدى الطويل”، مشدداً على ضرورة “إيجاد توازن دقيق بين حماية الأمن القومي وتعزيز التعاون التكنولوجي العالمي”.
ومن المتوقع أن تتسع دائرة هذه السياسات الحمائية خلال السنوات المقبلة لتشمل تقنيات استراتيجية أخرى، مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والبطاريات، والطاقة الجديدة.
وتشير التجربة الكورية إلى أن المنافسة الاقتصادية العالمية دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة لم تعد فيها الدولة تكتفي بحماية حدودها وأسواقها، بل تسعى جاهدة لحماية المعرفة التي تمنحها التفوق الصناعي والأمني.
القومية التكنولوجية
يمثل توجه كوريا الجنوبية لتشديد حماية أسرار صناعة الرقائق الإلكترونية فصلاً جديداً في كتاب “القومية التكنولوجية”، حيث أصبحت المعرفة التقنية الدقيقة هي الثروة الحقيقية التي يجب الدفاع عنها بالوسائل القانونية والأمنية والدبلوماسية.
وإن نجاح سيول في هذه الاستراتيجية مرهون بقدرتها على الموازنة بين مقتضيات الأمن القومي الضرورية وبين متطلبات الابتكار والتعاون الدولي الحتمية، لضمان أن يظل قطاع أشباه الموصلات محركاً للنمو الاقتصادي وركيزة للأمن الوطني في آن واحد، في ظل نظام عالمي يتسم بالتنافس الشرس على مصادر القوة التكنولوجية.