هَلْ سَمِعْتَ الْعُرْبَ أَرْبَابَ الْبَيَانِ
أَوْ بَلِيغًا قَوْلُهُ سِحْرُ اللِّسَانِ؟!
هَلْ رَأَيْتَ الْعُرْبَ يَسْقُونَ الْوَرَى
مِنْ بَلِيغِ الْقَوْلِ أَنْهَارَ الْمَعَانِي؟!
عَزَّتِ الْفُصْحَى وَسَادَتْ شَمْسُهَا
وَأَضَاءَتْ لِلْوَرَى نُورَ الْمَثَانِي
لَمْ يَكُنْ فِي الْكَوْنِ إِلَّا قَوْلُهَا
لُغَةُ الْعِلْمِ وَيَشْدُو الثَّقَلَانِ
كَعَرُوسٍ يَدَّعِي الْوَصْلَ بِهَا
كُلُّ ذِي لُبٍّ نَسِيبٍ فِي الزَّمَانِ
ذَهِلَ الْقَوْمُ مِنَ الْحُسْنِ فَمَا
عَادَ فِي الْكَوْنِ سِوَاهَا مِنْ حِسَانِ
مَنْ أَقَرَّتْ أَنَّهُ أَهْلٌ لَهَا
صَارَ بَيْنَ الْخَلْقِ أُسْتَاذَ الْبَيَانِ
يَعْشَقُ الْغَوْصَ يُلَاقِي دُرَّهَا
يَهَبُ الدُّنْيَا عُقُودًا مِنْ جُمَانِ
فَجَفَاهَا أَهْلُهَا حَتَّى عَمُوا
عَنْ جَمَالٍ فَاتِنٍ لَيْسَ بِفَانِ
هَلْ تُرَاهُمْ قَدْ عَمُوا عَنْ عِزِّهِمْ؟!
فَخْرُهُمْ صَارَ بِعُجْمٍ فِي اللِّسَانِ!
هَلْ رَأَى الْكَوْنُ أُنَاسًا مِثْلَهُمْ
جَعَلُوا الْعُجْمَةَ مَرْقًى لِلْأَمَانِي؟!
رَغِبُوا عَنْ بَدْرِهِمْ عَافُوا الضِّيَا
حَسِبُوا الظُّلْمَةَ سِتْرًا لِلْهَوَانِ!
فَاسْكُبِ الدَّمْعَ عَلَى عِزٍّ مَضَى
كَانَ لَفْظُ الْعُرْبِ سِحْرًا لِلْجَنَانِ
كَانَ قَوْلُ الْمَرْءِ أَمْضَى فِي الْوَرَى
مِنْ جُيُوشٍ وَدِمَاءٍ وَسِنَانِ
هَلْ رَأَيْتَ الْقَوْلَ يُلْقِيهِ الْفَتَى
مِثْلَ شُهْبٍ تَهْتِكُ الظُّلْمَ هِجَانِ؟!
هَلْ رَأَيْتَ الْجُنْدَ أُسْدًا لا تَنِي
وَبِسِحْرِ الْقَوْلِ صَارُوا كَالْعَوَانِي؟!
هَلْ رَأَيْتَ الْقَوْمَ فِي الضَّيْمِ هَوَوْا
وَبِسِحْرٍ طِفْلُهُمْ كَالْمَزْبَرَانِي؟!
رُبَّ قَوْلٍ مِنْ فَتًى خَلَّدَهُ
صَارَ كَالنَّجْمِ ضِيَاءً فِي الْعَنَانِ
فَبِهِ يُهْدَى إِذَا ضَلَّ الْوَرَى
وَمُحَالُ الْحُلْمِ يَزْهُو لِلْعِيَانِ
وَبَلِيغٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا سَمَا
إِنْ يَجُدْ خَالُوا الصَّحَارِي كَالْجِنَانِ
وَكَفَى بِالْعُرْبِ فَخْرًا أَنَّهُ
بِلِسَانِ الْعُرْبِ تَنْزِيلُ الْقُرَانِ
مَا دَهَى الْعُرْبَ أَلَيْسُوا لَمْ يَكُنْ
يُطْرِبُ الْكَوْنَ سِوَاهُمْ مِنْ لِسَانِ
أَيُّهَا الْأَلْكَنُ تِهْ فَخْرًا وَخَلْ
ذَا زَمَانُ الْعِيِّ لَا عَهْدُ الْبَيَانِ!
أَطْرِبِ الْقَوْمَ بِمَا قَدْ غَرَّهُمْ
هَلْ لِعُمْيٍ أَنْ يُضِيءَ الْقَمَرَانِ؟!
لَا تَظُنَّ اللَّيْلَ حَتْمًا دَائِمًا
فَضِيَاءُ الْفَجْرِ – مَا أَزْهَاهُ دَانِ
هَبَّ فِي الْعُرْبِ أُسُودٌ زَأَرُوا:
لُغَةُ الْعُرْبِ جَرِيحٌ بِالْهَوَانِ!!
كَيْفَ لِلْحُرِّ هَنَاءٌ وَالْوَغَى
سُعِّرَتْ نِيرَانُهَا، كَيْفَ التَّوَانِي؟!
سَبَرُوا أَغْوَارَ مَجْدٍ قَدَ هَوَى
كَيْ يُعِيدُوا لِلدُّنَى غُرَّ الْمَبَانِي
أَنْذَرُوا الْعُرْبَ وَمَا هَابُوا الْأَسَى
لِيُمِيطُوا التُّرْبَ عَنْ دُرٍّ هِجَانِ
قَدْ دَعَوْا كُلَّ بَلِيغٍ لِلْعُلَا:
كُنْ كَبَدْرٍ فِي الدُّجَى أَحْيِ الْأَمَانِي
كُنْ كَشَمْسٍ ضَوْءُهَا يَمْحُو الدُّجَى
ذَا بِنَاءُ الْمَجْدِ، أَنْتَ الْيَوْمَ بَانِ
ذَا قَرِيضِي جَاءَكُمْ لَبَّى النِّدَا
فَخْرُهُ لُقْيَا أَسَاتِيذِ اللِّسَانِ
فَلْيُؤَذِّنْ: لَنْ تَرَى الدُّنْيَا سَنًا
أَوْ جَمَالاً مِثْلَ إِحْسَانِ الْبَيَانِ


