منذ أكثر من عقد، تعيش ليبيا على إيقاع معادلة مختلة: دولة تسعى إلى بسط سيادتها، في مقابل مئات التشكيلات المسلحة التي تفرض حضورها في الشارع وتتحكم في مفاصل حساسة من الحياة العامة. لم تعد القضية مجرد انفلات أمني عابر، بل تحولت إلى بنية موازية تنافس مؤسسات الدولة في النفوذ والقرار، وتستنزف مواردها المالية، وتضع مستقبلها الديمقراطي على المحك.
تشير تقديرات أممية إلى وجود نحو 29 مليون قطعة سلاح خارج الأطر القانونية، فيما يتجاوز عدد التشكيلات المسلحة ثلاثمئة كيان بين كبير وصغير. هذا الانتشار الكثيف جعل مناطق واسعة، خاصة في الغرب الليبي، خاضعة فعلياً لسلطة الأمر الواقع، حيث تحكم التوازنات الميدانية أكثر مما تحكم القوانين. وفي العاصمة طرابلس ومدن الساحل، تتداخل مقار عسكرية مع أحياء سكنية مكتظة، في مشهد يضع المدنيين في مرمى أي اشتباك مفاجئ.
خلال الأسبوع الماضي، سقطت طفلة في مدينة صرمان ضحية مقذوف طائش، لتعيد الحادثة التذكير بكلفة الفوضى المسلحة على المجتمع. فالمعسكرات المنتشرة وسط المدن، من اليرموك إلى الـ77 وحمزة، لم تعد مجرد مواقع عسكرية، بل تحولت إلى قلاع مغلقة يصعب إخضاعها لقرارات الإخلاء، رغم إعلان حكومة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة خططاً لتحويل بعضها إلى حدائق ومتنزهات عامة.
لكن المعضلة أعمق من نقل مقار أو إعادة تموضع. جذور الأزمة تعود إلى ما بعد 2011، حين انهارت المنظومة الأمنية القديمة وبرز فراغ مؤسسي واسع ملأته مجموعات مسلحة حملت في البداية شعارات الثورة والحماية. بمرور الوقت، تحولت تلك المجموعات إلى كيانات منظمة ذات موارد ورواتب ونفوذ سياسي، في ظل غياب مشروع وطني جامع لإعادة بناء الجيش والشرطة على أسس مهنية موحدة.
في مدن مثل الزاوية وصبراتة، أقر مسؤولون أمنيون بصعوبة فرض السيطرة الكاملة، ما يعكس فجوة بين الخطاب الرسمي والقدرة الفعلية على تنفيذ القانون. كما أن محاولات “الدمج” التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة غالباً ما اقتصرت على منح مسميات رسمية ورواتب من خزينة الدولة، دون تفكيك حقيقي للبنية المسلحة أو تغيير في العقيدة القتالية، الأمر الذي أفضى إلى شرعنة الأمر الواقع بدلاً من تجاوزه.
الانقسام المؤسساتي بين الشرق والغرب زاد المشهد تعقيداً. ففي حين يشهد الشرق والجنوب استقراراً نسبياً تحت قيادة عسكرية موحدة، تبقى العاصمة رهينة توازنات دقيقة بين قوى متعددة تتقاسم النفوذ داخل مؤسسات مالية وإدارية حساسة. هذا الوضع يضع أي مسار انتخابي أمام تحديات جسيمة، إذ يصعب ضمان سلامة العملية الديمقراطية في ظل سلاح منتشر وقدرة محدودة على ضبطه.
البعد الاقتصادي والاجتماعي يزيد الأزمة تشابكاً. فمع تراجع فرص العمل وضعف القطاع الخاص، تحولت بعض التشكيلات إلى مصدر دخل رئيسي لشباب يواجهون تضخماً وانهياراً في القوة الشرائية. أصبح الانخراط في الفصيل المسلح خياراً معيشياً قبل أن يكون سياسياً، ما جعل فكرة تسليم السلاح مرتبطة بمخاوف اقتصادية حقيقية. وعلى مدى سنوات، تشكلت “هوية مسلحة” ترى في القوة وسيلة للنفوذ والحماية في مجتمع أنهكه الانقسام.
دولياً، فشلت مبادرات عدة في معالجة الملف، سواء بسبب تضارب المصالح الإقليمية أو ضعف آليات تنفيذ قرارات حظر السلاح. ومع استمرار تدفق الأسلحة بطرق غير مشروعة، بدا أن المجتمع الدولي يدير الصراع أكثر مما يسعى إلى حله جذرياً.
الحل، وفق خبراء، لا يمكن أن يكون أمنياً فقط. إنه يتطلب مشروعاً وطنياً لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أساس احتكار الدولة للسلاح، وتجفيف منابع التمويل غير القانوني، وربط الرواتب بالانضواء الكامل تحت قيادة موحدة. كما يحتاج إلى خطة اقتصادية موازية تخلق بدائل حقيقية للشباب، وتحول مخصصات “الترتيبات الأمنية” إلى استثمارات إنتاجية تعيد الثقة في الدولة المدنية.
إن استعادة ليبيا لعافيتها تمر عبر استعادة احتكار القوة الشرعية. فالدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع حماية الانتخابات، ولا ضمان سيادة القانون، ولا بناء اقتصاد مستقر. وبين فوهات البنادق وصناديق الاقتراع، تقف ليبيا أمام اختبار تاريخي: إما أن تنجح في تفكيك إمبراطورية السلاح، أو تبقى رهينة معادلة أمن هش وديمقراطية مؤجلة.







