تدخل ليبيا عام 2026 بعد ساعات قليلة مثقلة بإرث طويل من الانقسام السياسي والتشظي المؤسسي، لكنها في الوقت نفسه محمّلة بتطلعات متجددة نحو تسوية سياسية طال انتظارها. ويأتي هذا العام في سياق رمزي بالغ الدلالة، إذ تتزامن بدايته مع الذكرى الخامسة عشرة لثورة 17 فبراير، التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، من دون أن تنجح حتى الآن في إرساء دولة مستقرة موحدة.
وفي مارس المقبل، تمر خمس سنوات على تولي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة مهامها، بعد انتخاب السلطة التنفيذية من داخل ملتقى الحوار السياسي الليبي الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف مطلع 2021. ورغم أن تلك المرحلة كانت تُعد آنذاك مدخلًا لإنهاء المراحل الانتقالية، فإنها تحولت مع الوقت إلى حلقة جديدة في سلسلة التعثر السياسي.
يرى مراقبون أن عام 2026 سيكون عامًا مفصليًا، تتقاطع فيه جهود الفرقاء الليبيين مع ضغوط المجتمع الدولي، في محاولة لإعادة تحريك المياه الراكدة، ومنع انزلاق البلاد مجددًا نحو الفوضى الشاملة، في ظل استمرار الانقسام بين شرق وغرب، وتآكل الثقة بين المؤسسات، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية.
أولى هذه التحديات تتمثل في ترجمة خارطة الطريق التي طرحتها الأمم المتحدة إلى واقع عملي. وتعتمد هذه الخارطة على ما يعرف بـ«الحوار المهيكل»، الذي يهدف إلى بلورة مبادئ توجيهية لبناء الدولة، وصياغة توصيات سياسية وتشريعية في ملفات الحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية. وتراهن البعثة الأممية، برئاسة هانا تيتيه، على أن يسهم هذا المسار في تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات سلمية، والحفاظ على قدر من الاستقرار في مرحلة ما بعد الاقتراع.
الحوار، الذي انطلقت أولى جلساته في طرابلس منتصف ديسمبر الجاري بمشاركة 124 شخصية تمثل طيفًا واسعًا من المجتمع الليبي، يسعى كذلك إلى استمزاج آراء الليبيين حول سبل الخروج من الأزمة، والآليات الكفيلة بتنفيذ مخرجات الحوار، على أن تُنشر هذه المخرجات للرأي العام. وتشير البعثة إلى أن النساء يشكلن نحو 35% من المشاركين، في محاولة لإضفاء طابع أكثر شمولًا على العملية السياسية. ومن المنتظر أن تمتد خارطة الطريق زمنيا بين 12 و18 شهرًا، وتنتهي بإجراء انتخابات عامة وتشكيل حكومة جديدة خلال شهرين، إضافة إلى إعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة أسباب فشل استحقاق 2021.
التحدي الثاني يتمثل في ملف المناصب السيادية، الذي ظل معطلاً منذ يناير 2021 رغم التوصل إلى اتفاق بين لجنتي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول آلية التعيين. ويشمل هذا الملف مؤسسات مفصلية مثل المحكمة العليا، ومصرف ليبيا المركزي، والنائب العام، وديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية، ومفوضية الانتخابات، وهيئة مكافحة الفساد. ورغم الاتفاق على اعتماد معايير الشفافية والكفاءة، فإن التنفيذ لا يزال رهين التجاذبات السياسية، وهو ما يعرقل توحيد المؤسسات وبناء الثقة.
أما التحدي الثالث، فيكمن في توحيد المؤسسة العسكرية، التي تعاني انقسامًا حادًا منذ عام 2014. فلا تزال الميليشيات تفرض نفوذها في غرب البلاد، فيما فشلت المبادرات السابقة في جمع السلاح وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة. ويرى أعضاء في اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» أن توحيد الجيش يتطلب سلطة سياسية منتخبة تحظى بشرعية داخلية ودعم دولي، مع إمكانية البناء على مخرجات اجتماع القاهرة 2017. وفي المقابل، يشير مراقبون إلى أن الجيش الوطني الليبي، المسيطر على معظم مساحة البلاد، بات فاعلًا لا يمكن تجاوزه، رغم محاولات بعض القوى الإبقاء على واقع الانقسام.
رابع التحديات وأكثرها إلحاحًا، هو الأزمة المالية الخانقة. فبحسب محافظ المصرف المركزي، ناجي عيسى، تواجه ليبيا خطر فقدان السيطرة على النقد الأجنبي، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل فوضى الاستيراد وتضخم الدين العام. كما تلوح في الأفق مخاطر رقابة دولية مشددة، قد تصل إلى حصار مالي، في ظل متابعة مؤسسات دولية لتدفقات الأموال.
ويرى خبراء اقتصاديون أن جذور الأزمة تعود إلى سوء إدارة السياسة النقدية خلال السنوات الماضية، مطالبين بمراجعة شاملة لقرارات المصرف المركزي، وإعادة الاعتبار للدينار الليبي، وكبح المضاربات، وترشيد الاستيراد، والسيطرة على الدين العام الذي قارب 50 مليار دولار في 2025.
بين هذه التحديات المتشابكة، يقف عام 2026 بوصفه اختبارًا حقيقيًا لإرادة الليبيين وقدرة المجتمع الدولي على مرافقتهم نحو تسوية مستدامة. فإما أن يكون عامًا لوضع البلاد على سكة الاستقرار، أو محطة جديدة في مسار التأجيل، حيث يبقى الحل السياسي وعدًا مؤجلًا، فيما تتراكم الأزمات على حساب مستقبل دولة لم تستقر منذ أكثر من عقد.







