لم تكن الليلة الماضية مجرد جولة قتالية عادية في اليوم الثامن والثلاثين للحرب، بل كانت “ليلة صعبة بامتياز”.
تحولت سماء المنطقة إلى ساحة مفتوحة لأعنف قصف متبادل ومباشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى.
في مواجهة هي الأشرس منذ اندلاع الصراع، اختلط دوي الانفجارات في قلب طهران بصافرات الإنذار التي لم تهدأ في تل أبيب وحيفا والكويت.
بينما تساقطت الصواريخ العنقودية والمسيّرات الانقضاضية لتكشف عن انهيار كامل لقواعد الاشتباك التقليدية.
هذه الليلة الساخنة لم تترك شبراً في المنطقة بعيداً عن لهيبها، من تلال جبل لبنان وصولاً إلى مطار أهواز، لترسم بالدم والنار ملامح مرحلة “الحسم أو الانفجار الشامل”.
طهران تحت النار.. ضربات استراتيجية
شهدت العاصمة الإيرانية طهران ليلة قاسية مع تحليق مكثف للطائرات الحربية ودوي انفجارات هزت أرجاء المدينة.
أفادت وكالة “مهر” بسقوط 4 قتلى و7 جرحى في هجوم أمريكي إسرائيلي استهدف منطقة سكنية شرق طهران، بينما نقلت وكالة “فارس” عن مسؤول محلي سقوط 13 قتيلاً في ضربة استهدفت وحدتين سكنيتين بمدينة بهارستان جنوب غرب العاصمة.
ولم تتوقف الهجمات عند هذا الحد، بل طالت “جامعة شريف للتكنولوجيا” وحياً سكنياً في مدينة “قم”، مما أسفر عن مقتل 5 أشخاص، في حين تعرض مطار أهواز الدولي للقصف للمرة الثالثة خلال يوم واحد وسط وقوع انفجار قوي في المدينة جنوب غربي البلاد.
بينما أعلن مقر “خاتم الأنبياء” العسكري استهداف مروحيتين وطائرة نقل تابعة للعدو جنوب أصفهان.
زلزال الصواريخ العنقودية.. حيفا وتل أبيب في الملاجئ
في المقابل، عاشت إسرائيل ليلة من الرعب الصاروخي غير المسبوق، حيث أكدت القناة 12 الإسرائيلية أن إيران أطلقت 10 صواريخ برؤوس عنقودية في هجمات استهدفت تل أبيب ووسط إسرائيل، مما أدى لإصابة شخص بجروح خطيرة وسقوط شظايا في مناطق شرقية.
وفي حيفا، أحدثت الصواريخ الإيرانية دماراً واسعاً، حيث انتشل المسعفون جثتين من تحت أنقاض مبنى منهار، وأصيب 11 شخصاً بجروح وسط اشتعال النيران في مبانٍ ومركبات بمنطقة الكرمل وخليج حيفا والجولان المحتل، مما دفع الشرطة لإرسال خبراء المتفجرات للتعامل مع الرؤوس المتفجرة التي تساقطت في مناطق مأهولة.
الجبهة اللبنانية.. غارات مكثفة ومسيّرات انقضاضية
وعلى الساحة اللبنانية، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي غارات عنيفة استهدفت بلدات السلطانية، وأرزون، والنبطية الفوقا، ودير الزهراني، بالإضافة إلى غارة على تلال عين سعادة في جبل لبنان أسفرت عن 3 قتلى، وأخرى على منطقة الجناح ببيروت خلفت 5 قتلى و52 مصاباً.
وردّ حزب الله بتنفيذ هجمات بمسيّرات انقضاضية على تجمع للجيش الإسرائيلي محيط موقع المرج، وقصف قاعدة “سنط جين” شمال عكا ومدن نهاريا وليمان وحورفيش وشلومي بالصواريخ، في وقت وجّه فيه جيش الاحتلال إنذاراً بإخلاء 7 مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت تمهيداً لتدميرها.
تحذيرات “ترمب” وفرصة الهدنة الأخيرة
سياسياً، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تنفيذ عملية “إنقاذ جريئة” لاستعادة طيار أمريكي من جبال إيران، محذراً من أن يوم غدا الثلاثاء قد يشهد تحركات عسكرية “لن يكون لها مثيل” تستهدف محطات الكهرباء والجسور إذا استمر إغلاق مضيق هرمز.
ونقل موقع “أكسيوس” عن مصادر مطلعة أن هناك مباحثات تجري عبر وسطاء من باكستان ومصر وتركيا للتوصل لوقف إطلاق نار لمدة 45 يوماً، معتبرين تمديد المهلة الحالية بمثابة “الفرصة الأخيرة” قبل بدء حملة جوية واسعة النطاق، رغم أن فرص الاتفاق لا تزال ضئيلة في ظل رفض طهران للمقترحات الحالية وتمسك محمد رضا النائب الأول للرئيس الإيراني بمسار البناء رغم التهديدات.
صدى الأزمة.. صفارات الإنذار في الكويت وشبح الجوع العالمي
امتد لهيب القصف المتبادل ليلة امس ليصل إلى الخليج، حيث أفاد مراسل “الجزيرة” بإطلاق صفارات الإنذار في الكويت.
وأعلن الجيش الكويتي تصديه لهجمات بالصواريخ والمسيّرات.
وعلى الصعيد الإنساني، أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيراً هو الأخطر من نوعه، مؤكداً أن تصعيد الشرق الأوسط ينذر بأزمة غذاء هي الأعنف منذ جائحة كورونا نتيجة ارتفاع أسعار الحبوب والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، مما قد يدفع بنحو 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة الجوع، محولاً الصراع العسكري إلى كارثة إنسانية عابرة للقارات.
تصعيد نوعى
تابعت وكالات الأنباء العالمية مثل “رويترز” و”الجزيرة” و”بي بي سي” هذه التطورات الساخنة، حيث ركز المحللون على أن استخدام “الصواريخ العنقودية” الإيرانية يمثل تصعيداً نوعياً يهدف لتعجيز الدفاعات الجوية الإسرائيلية (القبة الحديدية ومقلاع داود).
ويرى خبراء في مراكز أبحاث دولية أن المنطقة دخلت “مرحلة الاستنزاف الشامل للبنى التحتية”، وأن سيناريوهات المستقبل تتأرجح بين رضوخ الأطراف لهدنة الـ 45 يوماً المقترحة عبر وسطاء إقليميين، أو الانزلاق نحو “حرب طاقة” عالمية إذا نفذ ترمب تهديده بضرب محطات الكهرباء والجسور، وهو ما قد يؤدي لإغلاق دائم لمضيق هرمز واشتعال أسعار النفط لمستويات غير مسبوقة.
حافة الهاوية.. هل اقتربت ساعة “الانفجار العظيم”؟
مع انقضاء الليلة الـ38 من عمر هذا الصراع المحموم، يبدو أن منطقة الشرق الأوسط قد غادرت مربع “إدارة التصعيد” لتدخل نفق “كسر العظام” النهائي.
فعسكرياً، أثبتت الصواريخ العنقودية الإيرانية والمسيرات الانقضاضية لحزب الله أن “القبب الحديدية” والمظلات الدفاعية الأمريكية لم تعد توفر أماناً مطلقاً، بل باتت تستنزف مواردها أمام تكتيكات “الإغراق الصاروخي” التي نقلت الجحيم إلى قلب حيفا وتل أبيب.
أما سياسياً، فإن “مهلة الـ45 يوماً” التي لوّح بها “أكسيوس” تبدو كفتيل أخيرة قبل انفجار برميل البارود الإقليمي.
فإما أن ترضخ طهران لشروط “ترمب” القاسية وتفتح شريان “هرمز” للحياة، أو أن العالم سيستيقظ على “ثلاثاء أسود” تعيد فيه الطائرات الأمريكية صياغة جغرافيا إيران التحتية من محطات كهرباء وجسور.
إنها مقامرة كبرى على حافة الهاوية، حيث لم يعد السؤال “هل تندلع الحرب الشاملة؟”، بل “من يملك القدرة على تحمل كلفة رمادها؟” في ظل انهيار منظومات الردع التقليدية وتصاعد أنين الجوع العالمي الذي بدأ يقرع أبواب الملايين.


