لم يكن الرجل السوداني الذي جلس ممسكًا بهاتفه المحمول يتخيل أن الرسالة التي وصلته عن “مساعدة مالية” ستتحول خلال دقائق إلى كابوس، بعدما اكتشف أن حسابه البنكي أصبح فارغًا بالكامل، وأن مدخراته اختفت في لحظات.
هذه الواقعة لم تعد استثناءً في السودان، بل أصبحت جزءًا من موجة احتيال إلكتروني واسعة تضرب البلاد، مستغلة ظروف الحرب والأزمات الاقتصادية والفقر المتصاعد، في واحدة من أخطر عمليات النصب الرقمي التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
15 ألف بلاغ خلال عام واحد
وكشف آدم السنوسي، وكيل نيابة مكافحة جرائم المعلوماتية في السودان، عن تسجيل أكثر من 15 ألف بلاغ احتيال إلكتروني خلال عام واحد فقط، في مؤشر صادم على حجم الظاهرة واتساعها.
وأوضح السنوسي أن العصابات الإلكترونية باتت تعتمد على أساليب متطورة تُعرف باسم “الهندسة الاجتماعية”، وهي تقنيات تقوم على التلاعب النفسي بالضحايا واستغلال حاجتهم للمساعدات أو ضعف خبرتهم في التعامل مع التطبيقات البنكية والخدمات الرقمية.
“إحنا من منظمة دولية”.. بداية الفخ
وبحسب المسؤول السوداني، يبدأ السيناريو عادة برسالة نصية أو اتصال هاتفي من شخص يتحدث بثقة ويزعم أنه موظف في منظمة إنسانية أو جهة دولية، ثم يبلغ الضحية بوجود تحويل مالي أو دعم نقدي باسمه.
بعدها يطلب المحتال من الضحية إدخال “رقم مرجعي” أو “رمز دفع سريع”، بينما تكون هذه البيانات في الحقيقة أوامر مباشرة لتحويل الأموال من حساب الضحية إلى حسابات العصابة.
وفي كثير من الحالات، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ ينجح المحتالون في الحصول على كلمات المرور وأسئلة الأمان الخاصة بالحسابات البنكية.
وقال السنوسي إن “المحتالين بمجرد حصولهم على كلمة السر، تصبح الحسابات البنكية بالكامل تحت سيطرتهم”.
الحرب والفقر بيئة مثالية للنصب
ويرى مراقبون أن الظروف التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب ساهمت في انتشار هذه الجرائم بشكل كبير، مع اعتماد عدد متزايد من المواطنين على التحويلات الإلكترونية والمساعدات الإنسانية، ما جعلهم أهدافًا سهلة لعصابات الاحتيال.
كما تستغل هذه الشبكات حالة الخوف والاحتياج، وتستخدم حسابات وهمية وأرقامًا دولية لإخفاء هويات أفرادها وتعقيد عمليات الملاحقة الأمنية.
مطاردة رقمية بالتعاون مع “ميتا”
وتحاول السلطات السودانية مواجهة الظاهرة عبر تتبع التحويلات البنكية وأرقام الهواتف وصفحات التواصل الاجتماعي، بالتعاون مع البنوك وبعض شركات التكنولوجيا، من بينها ميتا.
لكن المسؤولين يؤكدون أن تعقب هذه الشبكات لا يزال مهمة شديدة التعقيد، بسبب اعتماد المجرمين على حسابات مزيفة وتقنيات رقمية متطورة تجعل الوصول إليهم شبه مستحيل في كثير من الأحيان.
تحذيرات للمواطنين
ومع تصاعد البلاغات، تواصل السلطات السودانية إطلاق التحذيرات للمواطنين بعدم مشاركة أي بيانات مصرفية أو رموز تحويل أو كلمات مرور مع أي جهة مجهولة، حتى لو ادعت أنها منظمة إنسانية أو مؤسسة دولية.
ويؤكد مختصون أن أخطر ما في هذه الجرائم ليس فقط الخسائر المالية، بل استغلال معاناة الناس وأوضاعهم الإنسانية في تنفيذ عمليات احتيال منظمة باتت تهدد آلاف الأسر داخل السودان.


