السنة التحضيرية (أو التمهيدية) هي السنة التي تسبق السنةَ الابتدائية الأولى، ويبدأ بها الطفلُ رحلتَه في طريق المدرسة الطويل. وكما يوحي اسمُها فإن مهتمها هي التمهيد لما بعدَها وتحضير الطفل للمدرسة.
ربما كان انتقال الطفل من البيت إلى المدرسة واحدة من أكبر “الكوارث” التي يواجهها في حياته، فهي اللحظة التي يُنتزَع فيها من جو البيت الدافئ الأليف الذي لا يكاد يعرف غيرَه منذ وُلد ويُلقَى به في جو بعيد وسط غرباء لا يألفهم ولا يعرفهم، اللحظة التي ينفصل فيها عن بيته الذي يحبّ وعن أمه التي يستمد منها الأمان، فهي كلحظة الانتقال من ظلام الليل الدامس إلى شمس منتصف النهار، انتقال مفاجئ يُعشي المبصر القويّ ويكاد يُعمي المبصر الضعيف، فما الحل؟
الحل هو هذا الاختراع الذي اخترعوه وسمَّوه باسمه الصحيح الذي يناسبه: سنةٌ تمهّد الطريقَ أمام الطفل للمدرسة وتحضّره لدخولها، سنة يقلّ فيها الدرس ويكثر اللعب، وينصرف اهتمام المعلّمات فيها إلى صقل شخصية الطفل وتنمية مهاراته السلوكية والاجتماعية وتدريبه على التواصل مع الآخرين ودمجه في الجماعة الجديدة، مع أقل القليل من الضغط والصرامة والتعليم.
هكذا كان حال الحضانات والفصول التمهيدية قديماً، ويبدو أنه تغيّر هذه الأيام فصار من دأب بعض المدارس (لا كلها) الحرص على تطبيق النظام الصارم وتعليم القراءة والكتابة والحساب، فصار الطفل فيها وكأنه في السنة الابتدائية الأولى، وضاع الهدف الذي أنشئت المرحلة التمهيدية من أجله.
فإذا وجدتم مدرسة تمهيدية أو تحضيرية تبالغ معلّماتُها في الصرامة فاجتنبوها، واصنعوا ذلك أيضاً إذا كانت تتشدد في التعليم، فإن هدف هذه المرحلة هو الإعداد النفسي والاجتماعي فحسب، فإذا لم تحسن المدرسة تقديمه فابحثوا عن غيرها، ابحثوا عن مدرسة لا يطالَب الطفلُ فيها في سنتها التحضيرية كلها بأكثر من العَدّ إلى العدد العاشر ومعرفة بضعة أحرف وحفظ ثلاث سور قصيرة وبعض الأناشيد. وليس هذا كله هدفها أصلاً، فالحروف والأعداد والسور والأناشيد مما سيتعلمه الطفل في السنة الابتدائية الأولى، ما لم يكن قد قطع هذا القدر من التعلم وتجاوزه بأشواط في البيت على يد أم مثقّفة واعية وأب مهتم قدير.
وتذكّروا دائماً: إن الطفل هو الحكَم على نجاح المدرسة التحضيرية أو فشلها، فإذا أقبل عليها محباً لها راغباً فيها واشتاق في أيام العطلة (التي يغيب فيها عنها) إلى العودة إليها فهي مدرسة تحضيرية ناجحة، وإذا كان يُقلَع من بيته كل صباح قلعَ الضرس من الفكّ ويُدفَع إليها وسط الصراخ والدموع فاعلموا أنها فاشلة، وإذن فأخرجوه منها وابحثوا عن غيرها. ولا تستهينوا بمشاعر الطفل في هذه المرحلة المهمة، فإنها تضع الأساس لعلاقته مع المدرسة في السنوات اللاحقات.


