لو كان محمد صلاح قد أُبْعِد من اللعب وأُجْلس على دكة البدلاء لأنه اتخذ موقفا من فلسطين، لكان الآن ملء العيون والقلوب والأسماع والأبصار.. لكنه شاء لنفسه أن يتخذ الموقف الدنيء السافل، ثم لم ينجُ من الخزي.. ما اختلف فحسب أن الجماهير التي كانت ستضعه نموذجا وفخرا هي التي تتذكر الآن دناءته وتقديمه مصلحته الذاتية على الموقف النبيل الشريف!!
وقديما ضربت العرب المثل بالديك الذي كان يؤذن، فجاءه صاحب الحظيرة وهدَّده أن يتوقف عن الأذان وإلا ذبحه، فكفَّ عن الأذان. فجاءه بعد زمن وقال له: سأذبحك إن لم تصنع كالدجاج، فخاف فصار يتصنع صوت الدجاج، ثم جاءه فقال له: سأذبحك إن لم تَبِض مثل الدجاج. فقال عندها: ليتنا ذُبِحت وأنا أؤذن!!
تلك الدنيا دار اختبار هائلة.. والإيمان بالقَدَر هو ركن من أركان الإيمان!!
لي أخٌ لا أكاد ألقاه إلا في عمل، سنحت لنا فرصة فراغ نادرة، فتحولنا إلى حديث الذكريات..
حدثني عن أخٍ كان عاملا لهذا الدين، ثم انتكس وفُتِن، فصار الآن يسكر ويزني، وصارت زوجه تحمل عبئا هائلا، حتى قالت: لو كان الآن مسجونا لكان خيرا لنا وله!!
يا الله.. كم أسير هو الآن يحصد الأجر الهائل العظيم، لا يعرف أن لو كان طليقا لكان مثل هذا المفتون..
أسأل الله أن يفك أسر كل أسير، وأن يرد إليه كل مفتون..
وذكرني هذا الكلام برجل آخر أعرفه، عرفته متدينا في ساحات الثورة عاملا، ثم قذفه الانقلاب إلى تركيا وما فيها من فِتَن، فتغير هو وفُتِن، ثم تغيرت عليه زوجه، ثم فارقها، فعرف طريق النساء والسُّكْر، وصارت هي -من بعد النقاب والستر والدين- في حال مثيرة لكل أسى، لا تكاد تُعرف ولا تفترق عن العلمانيات في تركيا.
لو نظر هذا، بعين الدار الآخرة، لفَضَّل أن يكون أسيرا أو شهيدا..
ولقد جاءنا مثل هذا من حديث نبوي كريم، حيث أخبرنا النبي بأن أهل العافية في الدنيا حين يرون ثواب أهل البلاء، وكيف يُحثّ عليهم الثواب حثا بغير حساب، يتمنون أن لو قُرِّضوا في الدنيا بالمقاريض! (يعني: لو قُطِّعت جلودهم ولحومهم بالمقصَّات والكمّاشات في سبيل الله).
فالعافية من البلاء، والنعمة من البلاء، والرخاء من البلاء.. وقد قال تعالى {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}
ومن البلاء أيضا: المحنة والشدة.. وهذا أمر ظاهر!
فالسجن شدة ومحنة، ومما لا يُنسى هنا أن الإمام أحمد بن حنبل أجاز للمقاتل أن لا يستسلم للأسر ولو كان لا أمل له للنجاة، لأن “الأسر شديد”..
وقد فاضت كتب التاريخ بالأبطال الكبار الذين كسرهم السجن فأحالهم إلى أمثلة بائسة ويائسة، محطمة محبطة.. وما من إنسان يضمن نفسه كيف يكون إن تعرض للشدة والبلاء..
ونبينا، وهو المثل الأعلى الكامل، دعا الله في لحظة الشدة فقال: “إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي”
وسيدنا موسى، خاف على نفسه من فرعون وبطشه فقال: {ففررتُ منكم لما خِفْتُكم}، ولما أوحى الله إليه قال: {فأخاف أن يقتلونِ}، وطَلَب المؤازرة {فأرسل معي أخي}.
وتكرر في كلام الأنبياء والصالحين طلب النجاة من بطش المجرمين، قالها نوح {ونجني ومن معي من المؤمنين}، ولوط {رب نجني وأهلي مما يعملون}، وموسى {رب نجني من القوم الظالمين}، وامرأة فرعون {ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين}
وكم في صفحات التاريخ من قصص وعبر.. رجال كانوا على خط الجهاد الأول ثم فُتِنوا حتى عملوا عملاء ومخبرين على إخوانهم.. ورجال كانوا في الصف الأول من السلطة والجاه والمال ثم تابوا وأقدموا على الاستشهاد..
ولا تكتمل سيرة المرء إلا بالموت..
ولا يزال كل حي في ابتلاء واختبار، ولا يدري متى ولا كيف يُفتن.. ومن أمِنَ الفتنة على نفسه فقد وقع فيها..
وقد كان عظماؤنا الكبار المبشرون بالجنة لا يأمنون على أنفسهم، فيقول أبو بكر: لو أن إحدى قدمي داخل الجنة والأخرى خارجها ما أمِنت، ويقول عمر: لو قيل كل الناس يدخلون الجنة إلا واحدا لظننتُ أنه عمر.
وإذا كان هؤلاء في سموهم وسموقهم يقولون هذا الكلام.. فلم يبق بعده مقالا لأحد..
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وثبتنا عليه حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.


