منذ أن بدأ الإنسان رحلته الطويلة على هذه الأرض وهو يتأرجح بين طرفين طرف يشده نحو المادة والعقل والتجريب وطرفٍ آخر يجذبه نحو الروح والمعنى والإيمان وبين هذين الجانبين قامت حضارات وسقطت أخرى وتبدلت المفاهيم والرؤى ولكن ظل السؤال الأزلي قائمًا هل يمكن أن يلتقي العلم والدين؟ هل يمكن أن تتصالح العقلانية مع الإيمان والعلمانية مع الروحانية؟
لقد قدم العلماء للعالم معجزاتٍ من نوع جديد ليست من السماء بل من عقول البشر اخترقوا أعماق الذرّة وحلّقوا في فضاءات بعيدة بين النجوم وفتحوا مغاليق أسرار الجينات وجعلوا الحياة تسير بسرعة الضوء أدهشنا ما وصلوا إليه وأثبتوا أن الإنسان قادر على فهم بعض سنن هذا الكون العظيم لكن هذا التقدّم العلمي المذهل لم يمنح الإنسان السكينة التي ينشدها في أعماقه ولم يملأ الفراغ الذي يعتمل في روحه بل ربما زاد من حيرته حين وجد نفسه أمام هذا الاتساع المذهل من المعرفة عاجزا عن إدراك الغاية النهائية من كل هذا الوجود.
وفي المقابل كان الفنانون يحاولون أن يترجموا الجمال الكامن في الكون فصاغوا اللوحات والأنغام والكلمات لتجعل الإنسان يتأمل في ذاته وفي الطبيعة من حوله لم يكن الفن عندهم مجرد ترف أو زينة بل كان بحثا عن معنى عن لمسة روحٍ تسكن هذا الجسد المتعب وهكذا أضاف الفن إلى العلم بعدا إنسانيا إذ كشف عن الجانب العاطفي والوجداني الذي لا تستطيع المعادلات ولا الأرقام أن تعبر عنه.
ثم جاءت فئة الأنبياء والمرسلين ليكملوا الصورة من جهة أعمق وأجل إذ حملوا رسائل السماء إلى الأرض ليعرفوا الإنسان بمن أوجده ويعيدوه إلى صلته بخالقه لم تكن دعوتهم ضد العلم بل ضد الجهل والضلال والكبرياء ولم تكن رسالاتهم تناقض الفهم العقلي بل تسمو به وتوجهه نحو غاية أعلى كانوا رسل الروح كما كان العلماء رسل العقل والفنانون رسل الجمال.
لكن مأساة الإنسان بدأت حين تعصب كل فريق لما بين يديه فتعصب رجال العلم لنتائجهم واعتبروا أن العقل وحده كاف لفهم الوجود وأن ما لا يقاس ولا يرى لا يصدق وفي الجهة الأخرى تمسك بعض رجال الدين بنصوصهم دون فقه ولا تأمل في مقاصدها وجعلوا من الدين أسوارا تحبس الإنسان عن التفكير فوقع الصدام بين الطرفين وتعمق الجرح حين استبدت الكنيسة بعقول الناس في أوروبا ومنعتهم من النظر في كتاب الكون فكانت الثورة العلمية ردّ فعل على تسلّط روحي جاف لا يمت إلى جوهر الإيمان بصلة.
غير أن جوهر الدين الحق لا يناقض العلم كما أن جوهر العلم الصادق لا يعادي الدين فالعلم يبحث في الظاهر في قوانين الطبيعة في ما يرى ويقاس أما الدين فيبحث في الباطن في الغاية والمآل والمغزى العلم يسأل “كيف؟” والدين يسأل “لماذا؟” وإذا التقت الإجابتان اكتمل الإنسان عقلا وروحا وتحرر من الجهل المزدوج جهل المادة وجهل المعنى.
لقد ضاعت الإنسانية حين ظنت أن المادة تكفيها وأن التكنولوجيا قادرة على تعويض الفقد الروحي امتلأت المدن بالأضواء لكن القلوب أظلمت صعد الإنسان إلى القمر لكنه لم يعرف بعد كيف يهبط إلى أعماق نفسه صار العالم يملك كل شيء إلا الطمأنينة ويستطيع أن يفسر كل شيء إلا سر الحياة نفسه وهنا تظهر الحاجة الماسة إلى المصالحة بين العلمانية والروحانية بين ما هو أرضي وما هو سماوي بين العمل والفكر والخشوع الفطري.
فليكن العلم طريقنا إلى فهم قوانين الله في الكون وليكن الدين طريقنا إلى فهم مقاصده في الخلق لا ينبغي أن يتعالى أحدهما على الآخر فالعلم بلا روح يتحول إلى آلة باردة قد تدمر صاحبها والدين بلا عقل يتحول إلى خرافة تضل أتباعها أما الإنسان الكامل فهو من يمسك بيد العلم ليكشف الوجود وبيد الإيمان ليهتدي به في دروب الحياة.
إن أعظم الاكتشافات ليست تلك التي تفتح لنا أبواب السماء الفيزيائية بل التي تفتح لنا أبواب القلوب المغلقة وأعمق الفتوحات ليست تلك التي نصل بها إلى المريخ بل التي نصل بها إلى ذواتنا عندها فقط سيجد الإنسان التوازن الذي فقده وسيعرف أن الحقيقة ليست علميةً فحسب ولا روحية وحدها بل مزيج من نور العقل ونور الإيمان.
حين يتصالح العالم مع العلم ويصافح العقل القلب ستنتهي تلك الثنائية المدمرة التي قسمت الإنسان إلى نصفين فالدين لا يطلب من الإنسان أن يغلق عينيه عن العلم والعلم لا يطلب منه أن ينكر روحه وكلاهما إذا اجتمعا أنجبا إنسانا يرى في كل ذرة من هذا الكون آية وفي كل آية من كتاب الله علما.
وهكذا لا يكون الصراع بين العلمانية والروحانية سوى سوء فهمٍ طويل أرهق البشرية آن له أن ينتهي ليبدأ عهد جديد من التكامل والانسجام حيث يكون العقل هاديا والروح رفيقة والإنسان هو الهدف والغاية.


