في سجل الحركة الثقافية المصرية أسماءٌ لا تُقاس قيمتها بما تركته من مؤلفات، وإنما بما صنعت من أجيال، وما أقامته من منابر، وما أتاحته للمواهب كي تجد طريقها إلى الضوء.
ومن بين هذه الأسماء يظل الأستاذ محمد العوضي، الشاعر والمخرج المسرحي والإداري القدير، مؤسس صالون حلمية الزيتون الثقافي، واحدًا من أصحاب التجارب التي تستحق أن تُروى وتُوثَّق.
فقد أمضى نحو ثلاثة عقود في صناعة حياة أدبية حقيقية، حوّل خلالها مركز شباب حلمية الزيتون إلى ملتقى لشعراء مصر ومبدعيها، واستطاع بإمكانات محدودة، وبجهد شخصي استثنائي، أن يستقطب أدباء من مختلف أنحاء العالم العربي، وأن يصنع مهرجانًا شعريًّا تجاوزت شهرته حدود المكان.
رحل العوضي، وبقيت وراءه أجيال من الشعراء، وآلاف الذكريات والصور، وتجربة ثقافية تستحق أن يتوقف أمامها تاريخ الأدب المصري طويلًا.
في 29 أكتوبر 2018م، رحلَ عن الدنيا، الشاعر والمخرج المسرحي، والإداري القدير، ومدير مركز شباب حلمية الزيتون الأسبق/ الأستاذ محمد العوضي،
– رحلَ مؤسس (صالون حلمية الزيتون الثقافي) الذي سيتوقف تأريخ الحركة الأدبية المصرية، أمامه طويلا طويلا.
– وسيتوقف التأريخ أمام الجهود الجبّارة للحركة الثقافية بمركز شباب حلمية الزيتون التي صنعت شعراءً ومبدعين، على يد الإداري الفذ محمد العوضي، طيلة ثلاثة عقود من الزمان، وواصل تلاميذه المسيرة حتى توقف نشاط الصالون الثقافي بالمركز، بعد أحداث ثورة 25 يناير، وتداعياتها..
– انطلقت الندوة الثقافية بمركز شباب حلمية الزيتون في السبعينيات، على يد العوضي، وتحت اسم (صالون حلمية الزيتون) حتى التسعينيات، وظهور جيل جديد متميّز بقيادة الشاعر “حسن عبد الستار” الذي غيّرَ اسم الندوة إلى (همسات) تحت إشراف العوضي، وظلت تحمل هذا الاسم حتى منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، ثم عادت للاسم الأول (صالون حلمية الزيتون الثقافي) وماتت الندوة برحيل محمد العوضي..
– رحلَ الشاعر محمد العوضي، رمز العطاء، الذي تعلمنا على يديه: كيف تكون الندوات الأدبية؟ وكيف تدار؟ وكيف تجتذب الأدباء؟ وكيف تُصنع المهرجانات الشعرية الكبرى، من دون طنطنة أو افتعال.
– كتب الشاعر محمد العوضي (رحمه الله) عددًا من الأغنيات الدينية التي غنّتها زينب يونس، كما كتب للمطرب أحمد الحجار، ومن أغنياته له «أذكريني»، وللمطرب الشعبي الراحل رمضان البرنس، إلى جانب عدد من المطربين الآخرين.. وهذه بعض الأمثلة التي تحضرني الآن، على سبيل المثال لا الحصر.
رحلَ الأستاذ والصديق والحبيب
– ذكريات وآلاف الصور وشرائط فيديو للمهرجان السنوي من سنة 1998م، حتى 2011م.. ورغم جهود تلاميذه، لكن تبقى صورة العوضي هي الأصل، فهو الذي صنع شيئا اسمه: (صالون حلمية الزيتون الثقافي) الذي تجاوزت شهرته حدود مصر، وكان يأتي إلينا في المهرجان السنوي، شعراء أفذاذ من البلاد العربية، رغم أن الندوات الأسبوعية، والمهرجان السنوي غير تابعين لوزارة الثقافة، وليس لهم (ميزانية) ولكن العوضي استطاع أن يقفز فوق حدود المستحيل، ويصنع الممكن، ويقدّم شيئا للتاريخ،
– محمد العوضي كان وزارة ثقافة متحركة، لا يعترف بالروتين، وقيود الوظيفة، وكان ينفق من جيبه، ولا ينتظر كلمة شكر من أحد..
محمد العوضي كانت له أفضال، و(أيادي بيضاء) على كل الذين عرفوه، وكل شعراء صالون حلمية الزيتون الثقافي.
– كان محمد العوضي حادًا جادًا أثناء العمل، وفي إدارة الندوات، ولكنه كان (طيّب القلب)، ورغم عصبيته كان (ينزل على مفيش) وبعد دقائق تجده يضحك معك، وكأن شيئا لم يكن.
– كانت وفاة ابنه “طارق” داخل سيارته، في حادث، ضربة قاتلة للعوضي، فقد كان طارق هو عينه ويده وكل حياته..
– رغم ظروفه الصحية الصعبة، بسبب مرض (السكر) والتي أدت لبتر ساقه، وضعف بصره، ظل كما هو،، لم يتأثر، ولم يستسلم لأمراضه، بل كان نِعم القائد الذي لم يترك أرض المعركة إلا مع النفس الأخير.
– اللهم اغفر له، وارحمه، وتجاوز عن سيئاته، وأسكِنه الفردوس الأعلى من الجنة.
————
يسري الخطيب