تحية إلى روح البطل يحي آغا الإنكشاري….
لهذا الرجل المجهول دين في ذمة قلمي أردت الوفاء به الليلة، وهو بطل ملحمة البطش باليهود في مدينة الجزائر المحروسة في أواخر شهر حزيران /يونيو 1805م، وتحديدا في صبيحة الجمعة 28/6/1805م، وهذا الرجل لا يُعرف عنه شيء إلا اسمه وفعله البطولي ذلك اليوم، ثم اختفى تماما، وقد كان يعيش مع الجنود الإنكشاريين في القشلة (الثكنة)، وكان وأصحابه في احتقان شديد من التغول اليهودي الذي جعل شركة بكري وبوجناح اليهودية الشهيرة تستحوذ على أرزاق الجزائريين حتى تسببت في مجاعة كبيرة عام 1805م.
وكان سكان العاصمة أيضا في احتقان شديد، لا سيما بعد تأسيس الشركة اليهودية جهاز تجسس كان يتجسس على أنفاس الجزائريين، وقد تمكن رئيس الطائفة اليهودية يومها (نفتالي بوجناح) أو (بوشناق) أو (بوزناخ) على اختلاف في تحديد لقبه، تمكن هذا اليهودي وصار صديقا لـ(الخزناجي) (وكيل مال الإيالة) يومها، وكان داي الجزائر يومها (الداي مصطفى باشا)، وهو الذي يسمى باسمه اليوم أشهر مستشفى في العاصمة الجزائر،
اشتهر بأوقافه وأعماله الخيرية ومنها رقعة المستشفى رغم سذاجته السياسية]، وقد جاء بعد دايات مجاهدين كبار، ولكنه لم يكن على شاكلتهم في الحزم والجهاد.
وحين جاء اليوم الموعود قرر (يحيى الإنكشاري) التخلص من العار، فأخذ معه بندقيته وقصد (نفتالي يوجناح) وحين اقترب من (قصر الجنينة) (المجمع الحكومي) رأى اليهودي جالسا مطمئنا، فسدد نحوه بندقيته وأصابه برصاصة قاتلة، وهو يقول له: خذها يا ملك الجزائر، أي: خذها يا من ظننت أنك تملك الجزائر، فأسرع نحوه حراس القصر فقال لهم يحيى: (أنا قتلت يهوديا، ما الذي جرى لكم؟ فهل أنتم كلاب اليهودي يا ترى؟)، ففتح له الحراس الطريق واستمر إلى رفاقه فزفّ إليهم النبأ، فاحتفلوا به وحملوه على الأكتاف.
وبلغ الخبر سكان العاصمة في ذلك اليوم فباتوا على احتقان شديد، ثم طلع (السبت المشؤوم) فخرج الإنكشارية إلى حارة اليهود، وبدأوا بتصفية من وجدوه، وبقوا على تلك الحال حتى منتصف النهار، فانضمت إليهم الرعية وبدأت تقتل وتنهب، ولم ينج من اليهود إلا من اختفى أو لجأ إلى القنصليات، وتكومت جثث اليهود في الشوارع، وقام العاصميون بإحراق عدد منها في الغد بعدما تغيرت رائحتها..
وبدأ الداي مصطفى باشا يهادن الرعية فأصدر أمره بالعفو عن الإنكشارية، وأمره بإجلاء اليهود، فتم طرد كثيرين منهم إلى أوربا (إيطاليا) وإلى دول كتونس وغيرها، وبقي (الخزناجي) لفترة حاقدا على الشعب لأنه أفسد له مصالحه مع اليهود فشن حملة انتقام، ثم فعلها العاصميون وهاجوا، وفي يوم 31 (آب/أوت) 1805م كانت نهاية الداي والخزناجي بعد أن حاصرهما الشعب، وتمت مطاردتهما في شوارع العاصمة ثم تم القبض عليهما وتمزيقهما أشلاء، وبقية أشلاء الداي اليوم في مقبرة الإمام الثعالبي رحمه الله، وقد ذهب ضحية تساهله مع (الخزناجي) صديق اليهود كما كان يسمى..
قلت: لهذه الشركة اليهودية الخبيثة دور هام في استدعاء فرنسا لاحتلال الجزائر لاحقا، ومن تلك الملحمة العاصمية التي كتبها العاصميون بأحرف من ذهب كان الشعب قد أخذ درسا في الموقف الصارم تجاه الوجود اليهودي استمر إلى اليوم، وتلقت الأجيال الخبر اليقين عن معنى الوجود اليهودي في الجزائر..
أما هذا الرجل المجهول (يحيى آغا الإنكشاري) فالتحية له ولرفاقه الذين بدأوا الملحمة ثم أكملها الشعب، ورحمة الله تعالى عليه وعلى الجميع، فترحموا عليهم، وقد أزلنا عنه بعض التنكير ليصير معرفة عند كل من يقرأ هذا المنشور..
التفاصيل والمصادر في كتابي: المواجهات الإسلامية المبكرة للمشروع الصهيوني، ص169.


