إن التاريخ الإسلامي الرائع المجيد يتلألأ بكوكبة من الأعلام المجددين والعلماء المجتهدين، الذين كانوا مصداق نبوءة الصادق المصدوق صلى اللّٰه عليه وسلم حين قال: «إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها». رواه أبو داؤود.
وقد كان من هؤلاء المجددين الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، فقد قال الإمام أحمد بن حنبل: “كان في المائة الأولى: عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية: الشافعي”، وقال: “ما أحد مس محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منة”.
مخايل النبوغ المبكر: لقد كانت ظهرت عليه علامات النبوغ منذ صباه، وقد كان الإمام مالك تفرس في وجهه مخايلَ النجابة واتقاد العقل والنبوغ المبكر، فلما أتاه الشافعي يطلب العلم، وسمع كلامه، نظر إليه ساعة -وكان ذا فراسة وبصيرة- وسأله عن اسمه، فقال: محمد، فقال: يا محمد! اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن، وقال: ما أتاني قرشي أفهم من هذا الفتى.
جِدُّه وتحَمّلُه الآلام في طلب العلم: كان رحمه الله من أسرة فقيرة مهاجرة، فقد ولد في غزة، في اسرة فلسطينية رقيقة الحال، ضاقت عليها أرضها، فاضطرت إلى ترك وطنها، ولجأت إلى غير موطنها، وزد على ذلك أنه نشأ يتيمًا محرومًا من عطف الوالد وحنانه، يعاني من البؤس والفقر والفاقة ما لا يوصف، ولكن ذلك لم يضعف من همته وعزمه، فقد ظل صابرًا على المتاعب والمصاعب وعلى شظف الحياة بجد وصبر واحتساب، يقول: “لما خرجت من الكتاب، أتلقط الخزف والدفوف – الجلود – وكرب النخل، وأكتاف الجمال، أكتب فيها الحديث، وأجيء إلى الدواوين، فاستوهب منها الظهور فأكتب فيها، حتى كانت لأمي حباب (1)، فملأتها أكتافًا وخزفًا مملوءة، ومن ظن أن العلم يحصل له بلا تعب، فقد ظن المستحيل”.
قال المزني: قيل لمحمد بن إدريس الشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعًا تنعم لها مثلما تنعمت الأذنان! قيل: وكيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجموح الممنوع على بلوغ لذاته في المال، قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها، وليس لها غيره.
وأما تحمله الألم في طلب العلم، فاسمعه وهو يقول: “بقيت ست عشرة سنة ما كان طعامي إلا رغيفين وتمرًا آكل منه بقدر ما يقوم به جسدي، فقيل له: ما الذي أردت به يا أبا عبد الله؟ قال: أردت به الحفظ للعلم والفقه، تركته لذلك، فرزقني الله بعد ذلك”، ويقول أيضًا: “يا أبا موسى لقد أفلست ثلاث مرات، وقد رأيتني آكل السمك بالتمر لا أجد غيرهما”.
الحفاظ على عزة النفس والكرامة: وما زال يجدّ ويجدً -دون كلل أو كسل- في تحصيل العلم إلى أن بلغ مرتبة الاجتهاد والإمامة، حتى عُدّ من أعلام العلماء والأئمة المجتهدين ممن يزدان بهم تاريخ الإسلام العام، وعاش عيشة إباء وشمم وغيرة، حافظًا ماء وجهه، حريصًا على صيانة كرامته وعزة نفسه مرددًا:
أمطري لؤلؤا سماء سرنديب
وفيضي جبال تكرور تبرا
أنا إن عشت لست أعدم قوتًا
وإن مت لست أعدم قبرًا
همتي همة الملوك ونفسي
نفس حر ترى المذلة كفرا
وله في عزة النفس والكرامة الأبيات التالية الشهيرة:
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفًا
فدعه ولا تكثر عليه تأسفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة
وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
وكان يقول: “والله لو علمت ان شرب الماء البارد يثلم مروءتي، ما شربته”.
بل بلغ من التورع والحيطة والحذر وتقوى الله أنه كان لا يجيز قبول الهدية تهدى إلى رجل على أنه من أهل الصلاح والتدين، وهو ليس منهم، فهذا الرجل لا يجوز له قبول هذه الهدية!
التقيد التام بالسنة المطهرة: رغم براعته في العلوم والفنون، ورغم ما تميز به من النبوغ، ظل حريصًا على اتباع السنة، ملتزمًا بها، معتزًّا بخدمة الحديث النبوي الشريف، حتى عرف بلقب: “ناصر الحديث”، وكان يقول: “إذا صح الحديث فهو مذهبي”، ويقول: “أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أقل: “نعم على الرأس والعين”، ويقول: “مهما قلت من قول، أو أصلت من أصل، فيه عن رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم، وهو قولي”.
وأيضا كان يقول: «والله ما أبالي أن يظهر الحق على لساني، أو على لسان خصمي».
أصول الاستنباط عند الشافعي:
ترتكز أصول المذهب الشافعي على خمسة أدلة أساسية مرتبة كالتالي:
١- القرآن الكريم
٢- السنة النبوية الثابتة
٣- الإجماع
٤- قول الصحابي
٥- القياس
براعته في مختلف العلوم والفنون: نبغ الإمام الشافعي رحمه الله في عدد من العلوم المختلفة، وفيما يلي بيان ذلك – في إيجاز -:
الفقه: فقد كان فيه إمامًا باتفاق الجميع، ويكفي على ذلك دلالة أن شيخه مسلم بن خالد الزنجي أذن له بالفتوى وعمره خمس عشرة سنة، قال الحميدي: سمعت الزنجي يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي، وهو ابن خمسں عشرة سنة.
التفسير: وأما شيخه الآخر سفيان بن عيينة، فإن الشافعي إذا كان في مجلس سفيان، وجاء شيء من التفسير أو الفتيا، التفت إلى الشافعي، وقال: سلوا هذا، وقال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي إذا أخذ من التفسير كأنه شهد التنزيل.
الشعر واللغة: قال ثعلب: الشافعي إمام في اللغة، وقال المبرد: كان الشافعي من أشعر الناس وآدب الناس، وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه.
أيام العرب وأنسابهم: قال عنه يوسف الصدفي: كان الشافعي إذا أخذ في أيام العرب، قلتُ: هذه صناعته، وقال مصعب بن عبيد الله: ما رأيت أحدًا أعلم بأيام الناس من الشافعي.
الأنساب: فهذه قصة تكفي دلالة على سعة علمه واطلاعه في هذا الجانب: فقد اجتمع معه نفر فذاكرهم بأنساب النساء إلى الصباح، وقال: أنساب الرجال يعرفها كل أحد.
أصول الفقه: ابتكر الشافعي علم أصول الفقه، ذلك العلم الذي يعتبر بمثابة (الدستور) الذي يضبط للفقهاء مسائلهم، ويحسم الاختلاف في فهم النصوص ودلالاتها، وكما يصفه بعض الباحثين بـ(سكة الحديد) التي تؤمن للقطار الاستقامة في سيره، وقد كان منثورًا قبله، فنال شرف التدوين لهذا العلم، فألف كتابه: (الرسالة).
كما كان رحمه الله -مع إمامته في علوم الشريعة- بصيرًا في الطب، وكان يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب، ويقول: “ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى”، وقال: “لا أعلم علمًا بعد الحلال والحرام أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه”.
وله أقوال في التحذيرات الطبية، وكان يقول: “شيئان أغفلهما الناس؛ النظر في الطب والعناية بالنجوم، ومن الطب النفسي علم الفراسة”، وقد قال الشافعي عن نفسه: ” خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها “. (2).
ويقول: «كانت نهمتي في أول العمر في شيئين: الرمي وطلب العلم، فبلغت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة، وسكت عن العلم، فقال بعض الحاضرين: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي».
من أروع قصائده:
كان الشافعي شاعرًا كبيرًا، قلما بلغ شأوَه غيرُه من العلماء في العبقرية الشعرية، تسيل أبياته حكمة وموعظة، وجزالة أسلوب وروعة تأثير، فيما يلي عدد من أبياته من أروع قصائده:
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفسًا إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا بقاء
وكن رجلًا على الأهوال جلدًا
وشيمتك السماحة والوقار
أبرز مؤلفاته:
– كتاب الأم: أصل عظيم في فقه المذهب الشافعي، جمع فيه آراءه الجديدة التي دققها في مصر.
– كتاب الرسالة: أول كتاب ألف في علم أصول الفقه، وقد كتب نسختين منه (القديمة في بغداد، والجديدة في مصر) لبيان قواعد استنباط الأحكام وأدلة الشرع.
– مسند الشافعي: كتاب جمع فيه الأحاديث التي رواها واستدل بها في أحكامه.
– جماع العلم: كتاب دافع فيه عن حجية السنة النبوية، ورد على منكريها.
– اختلاف الحديث: كتاب يبين كيفية الجمع والتوفيق بين الأحاديث التي يبدو فيها تعارض ظاهر.
– ديوان الإمام الشافعي: مجموعة من القصائد والأبيات الشعرية في الحكم والأدب والموعظة.
من أبرز أساتذته:
– مسلم بن خالد الزنجي
– مالك بن أنس
– إبراهيم بن سعد
– سعيد بن سلمة القداح
– سفيان بن عيينة
من أبرز تلامذته:
– إسماعيل بن يحيى المزني
– الربيع بن سليمان الرمادي
– أحمد بن محمد بن حنبل
– يوسف بن يحيى البويطي
من أقواله:
– كفى بالعلم فضيلة أنه يدعيه من ليس فيه، ويفرح إذا نسب إليه، وكفى بالجهل شرًّا أن يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب إذا نسب إليه.
– ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.
– من صدق في أخوة أخيه قبل علله، وسد خلله، وغفر زلله.
معلومات أخرى مهمة عن الإمام الشافعي
– المولد: ولد في مدينة غزة سنة 150ھ – 767م.
– النسب: يلتقي في النسب مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جدهما عبد مناف.
– النشأة: نشأ يتيمًا في مكة المكرمة بعد أن توفي أبوه شابًّا، فانتقلت به أمه إلى مكة وهو ابن سنتين.
وفاته: 204ھ 820م.
مع ما قام به من الجهود في خدمة الدين والشريعة والأمة، كان شديد الخوف من الحساب والعقاب، زاره الربيع وهو على فراش الموت، وسأله: كيف أصبحت؟ فأجاب: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا، وعلى الكريم واردًا، ثم بكى، ولم يمكث إلا قليلًا حتى لقي ربه، رحمه الله رحمة واسعة.
الهوامش:
(1) جمع حُب: الزير والجرة.
(2) إبداعات العلماء والمؤلفين لراشد بن عبد الرحمن بن رَدِن البِداح. ص: 35.
(الجمعة: 21 من ربيع الأول 1448ھ = 4 من سبتمبر 2026م).


